تحولات واسعة في منطقة الخليج   
السبت 1422/2/12 هـ - الموافق 5/5/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

الجزيرة نت - حسام عبد الحميد
اختزل الكاتب الصحفي أمير طاهري بصحيفة الشرق الأوسط ما حدث للكويت منذ الغزو العراقي وحتى إزالة آثار هذا الغزو في قصة مواطن كويتي ليعبر عن تلك المأساة التي مازالت تلقي بظلالها على العالم العربي. 

فيقول الكاتب في مقدمته لموضوع التغيير الذي تشهده المنطقة: سيكون يوم غد يوما مهما في حياة عبد العزيز أحمد الذي يقول بابتسامة عريضة "إنه يوم التحرير الثاني الذي سأشهده في حياتي". أما يوم التحرير الأول فكان في عام 1991 عندما شاهد بأم عينه رحيل القوات العراقية عن الكويت "مثل سرب من الذباب المطرود بعيدا عن قطعة من الكيك". والمشكلة أن القوات العراقية حملت معها كل ما تقدر على حمله من قطعة الكيك تلك، ومن جملتها كل ما عثروا عليه في شركة التعمير والإنشاءات التابعة لأحمد.

وينقل الكاتب عن أحمد وصفه لحال شركته بعد رحيل القوات العراقية بقوله "كان كل ما بقي لي من شركتي في يوم التحرير مبناها المحترق، أما مكتبي فكان خاليا من أية قطعة أثاث.. ولم أجد كرسيا أجلس عليه أو كوبا لأشرب منه الماء، والأسوأ من ذلك كله أكوام الدين التي كانت ترهقني".

ويقول الكاتب: حتى يعود أحمد إلى مزاولة عمله من جديد اضطر مثل سواه من آلاف رجال الأعمال الكويتيين إلى تقديم طلب للحكومة للحصول على قروض خاصة تتميز غالبا بمعدلات فائدة رمزية، أما تسديدها فيقسط على دفعات تدفع خلال عشر سنوات. وهذا يعني أن على أحمد تسديد آخر أقساط قرضه الحكومي اليوم السبت.


إن منطقة الخليج تتحرك من وضعية أهميتها الجغرافية الإستراتيجية العالمية التي تمتعت بها إبان الثمانينيات إلى أخرى تتسم بالغرابة في القرن الجديد
ويصل الكاتب إلى لب الموضوع فيطرح حقيقة مفادها أن أحمد ربما يكون واثقا من مستقبل شركته، غير أن ثقته هذه لا تشمل مستقبل عموم المنطقة، إذ تمر منطقة الخليج بتحولات لا علم لأحد بنتائجها.

ويستعرض الكاتب تلك التحولات فيقول إن منطقة الخليج تتحرك من وضعية أهميتها الجغرافية الإستراتيجية العالمية التي تمتعت بها إبان الثمانينيات إلى أخرى تتسم بالغرابة في القرن الجديد.

ويشرح ذلك بالقول: قللت التغيرات الطارئة على خريطة الطاقة العالمية من الأهمية الحيوية لمنطقة الخليج كمصدر للنفط الخام. كما أن تسديد كلفة الحرب وتمويل إعادة تعمير الكويت والمساهمة في جهود مراقبة نوايا وتحركات العراق استنفدت أموال المنطقة.

ويعلق في هذا السياق الدكتور أحمد بشارة السياسي الكويتي قائلا: ليس في وسع المنطقة بعد الآن انتظار القوى الغربية الكبرى للاندفاع لنجدتنا والدفاع عنا لأجل نفطنا فقط.. والسبيل الوحيد لضمان الحفاظ على تأييد الرأي العام الغربي هو تأسيس نظم يمكن الدفاع عنها ضد الأنظمة الاستبدادية".

وهذا يشير إلى المظهر الآخر للتحول الجاري في منطقة الخليج حيث غدت مفردات الديمقراطية والتعددية والانتخابات والبرلمان والأحزاب السياسية كلمات جديدة تزين ما يجري على ألسنة الناس من أحاديث يومية من الكويت وإلى عمان.


تحول الأنظمة التعددية التقليدية في الخليج إلى أنظمة تعددية حديثة لن يكون بالأمر السهل
ويقول الكاتب: بيد أن تحول الأنظمة التعددية التقليدية في الخليج إلى أنظمة تعددية حديثة لن يكون بالأمر السهل، كما ليس من دليل ساطع على التزام النخب الحاكمة -حتى عندما تتصدر الدعوة لها في العلن- جديا بإجراء إصلاحات تفضي إلى تقليص سلطاتها وامتيازاتها. والأسوأ من ذلك أنه ليس من دليل واضح على أن عامة الناس ترغب في أنظمة حكومية على النمط الغربي يكون الفرد فيها لا العائلة أو القبيلة اللبنة الأساسية.

وعلى هذا الصعيد يعلق سفير أميركي سابق لدى البحرين قائلا: لو أعطيت الناس هنا حق انتخابهم حكوماتهم فإنك ستجد الأصوليين محتلين سدة الحكم بلمح البصر.. وليس من شك في ضرورة التشارك في السلطة، غير أن السؤال المهم هنا هو كيفية تقاسم السلطة ومع من.

ويجيب الكاتب على هذا التساؤل بقوله: رغم عضويتهم المشتركة في مجلس التعاون الخليجي، عالجت كل واحدة من دول الخليج الست مهمة التحول بصور مختلفة وبإيقاعات وسرعة متفاوتة.

ويبدأ بالمملكة العربية السعودية الأولى في تبني نظام أساسي للحكم في أعقاب حرب الخليج، فيقول: رغم ذلك ظلت على اعتقادها السابق بأن البرلمان المعين يقدر على تأدية عمله بشكل أفضل من البرلمان المنتخب. وكما كانت السباقة أيضا في تجربة وتوسعة قاعدة التوصل إلى القرارات عبر شبكة مجالس صممت للاستفادة من القسط الأكبر من الخبرات المتاحة للمملكة. لكنها في الوقت نفسه تحاشت إجراءات راديكالية داخل دوائر اجتماعية وثقافية وإعلامية.

وينتقل إلى دولة خليجية أخرى فيقول: جاء الدور على سلطنة عمان بعد ذلك التي أجرت مؤخرا أول انتخابات برلمانية مباشرة سمح للنساء فيها بالترشح والتصويت، غير أن تلك الانتخابات كشفت عن الطبيعة القبلية للمجتمع العماني أكثر من إمكانيات تحقيق التعددية فيه.


منع النساء من المشاركة في العملية الانتخابية يشكل تراجعا آخر لتوقعات تحقق التعددية في الكويت
وفي نهاية مقاله يستعرض الكاتب بقية دول الخليج فيقول: أما الكويت فكان لديها دستور منذ استقلالها، أي قبل أربعة عقود تقريبا، كما لديها برلمان صاخب وعدد من الجماعات المنظمة تنظيما جيدا يمكن اعتبارها مشاريع أولية لأحزاب سياسية. ولكن في الوقت نفسه يصح القول إن علاقة البرلمان الكويتي بالحكومة تظل علاقة متوترة، أما العلاقة بين قطاع المال والأعمال والسياسة فمشوشة على أقل تقدير. علاوة على ذلك فإن منع النساء من المشاركة في العملية الانتخابية يشكل تراجعا آخر لتوقعات تحقق التعددية في الكويت.

وظلت الإمارات العربية المتحدة ترقب عن بعد التجارب الجارية في الخليج لأسباب واضحة، فهي دولة اتحادية جديدة من سبع إمارات.

وكان آخر المشاركين في لعبة التغيير الجارية في الخليج كل من البحرين وقطر اللتين توصلتا أخيرا لتسوية الخلاف الحدودي بينهما. ويرى بعض المحللين أن الجارتين اندفعتا دفعا نحو تجارب غير مأمونة انطلاقا من الخصومة الجارية بينهما منذ عقد مضى.

وينقل طاهري في هذا السياق ما قاله سفير عربي في المنامة حيث يقول "يبدو الأمر مثل قصة سنو وايت والمرآة السحرية المعلقة على الحائط، وقبالتها البحرين وقطر تسألانها: أيتها المرآة السحرية أينا أكثر ديمقراطية؟ وهما تقدمان على مخاطر قد تكون باهظة التكاليف لدولتين صغيرتي الحجم وهشتين".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة