أحمد زكي وعبد الحليم حافظ تماثل حتى في الموت   
الأحد 1426/2/17 هـ - الموافق 27/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:30 (مكة المكرمة)، 14:30 (غرينتش)
 
 
لم تشأ يد المنون إلا أن تغيب أحمد زكي عن المشهد الأخير لفيلم "حليم" الذي يحكي سيرة المطرب الراحل عبد الحليم حافظ وصراعه مع مرض البلهارسيا الذي انتصر عليه في لندن عام 1977.
 
صراع أحمد زكي مع السرطان لم يكن أقل مرارة من صراع عبد الحليم مع مرضه. والموت الذي خطف حياة العملاقين كان سببه المرض. فارق أحمد زكي -الذي نشأ يتيما مثل عبد الحليم- الحياة قبل ثلاثة أيام من ذكرى وفاة المطرب الراحل التي تصادف الثلاثين من مارس/آذار من كل عام.
 
حتى معاناة أحمد زكي مع المرض والعلاج والتفاف الجميع حوله وتعاطف الكثيرين مع حالته الصحية، هي ذات المشاعر والأحاسيس التي رافقت حالة عبد الحليم وإن اختلفت تسميات المرضين أو تباينت بعض التفاصيل واختلف الزمن.
 
عانى أحمد زكى في حياته كثيرا، ويبدو أن تصميمه على أداء شخصية العندليب الأسمر في فيلم "حليم" جاء استجابة لنداء داخلي يؤكد فيه أنه لن يمثل في هذا الفيلم. وإذا قدر للفيلم أن يرى النور فسيلاحظ المشاهد أن أحمد زكي لا يمثل فيه بل يؤدي فيه قصة حياته التي تشبه إلى حد كبير حياة المطرب الراحل.
 
أحمد زكي (يمين) مع نور الشريف في حفل افتتاح أحد المهرجانات (الفرنسية)
مضاعفات السرطان
دخل أحمد زكي المستشفى بداية هذا الشهر نتيجة مضاعفات سرطان الرئة الذي انتشر في الكبد وأدى إلى إصابته بالتهاب رئوي وضيق حاد في الشعب الهوائية. واكتشف زكي إصابته بمضاعفات سرطان الرئة بداية العام 2004 وسافر إلى باريس للعلاج ثم عاد إلى مصر ليتلقى علاجا كيماويا بمستشفى دار الفؤاد غربي القاهرة حيث كان يرقد في غيبوبة منذ الثلاثاء الماضي.
 
وتعرض زكي أثناء تصوير فيلم "حليم.. صورة شعب" لجلطات في أوردة الركبة والساقين، ولكنه كان يعود بعد العلاج لاستكمال التصوير وأنهى حوالي 90% من مشاهده باستثناء تلك المتعلقة بوفاة المطرب الراحل.
 
وشوهد أحمد زكي آخر مرة خارج غرفته بحديقة الفندق الملاصق للمستشفى قبل أقل من أسبوعين وهو يلتقي وفود الفصائل الفلسطينية أثناء حوارها في القاهرة, وقام بعدها وفد من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) برد الزيارة له في مشفاه، وكان حينها يعاني من صعوبة في الكلام وضعف في الإبصار.
 
أحمد زكي (يمين) مع عادل إمام في حفل تسمية الأخير سفيرا للنوايا الحسنة (الفرنسية)
رهف وصلابة
ظل أحمد زكي طوال مسيرته الفنية نجما من طراز خاص, فأحاسيسه مرهفة وإرادته صلبة. كان عذبا في الحديث حين يسرق لحظات الإفاقة من المرض، وكان طفلا حين تشتد به نوبات الألم فيسلم جسده النحيف للأقدار. وعندما يفيق مرة أخرى يبدو قويا ومشاكسا وصاحب نكته.
 
الأحد الماضي وبعد أن مرت تسعة أيام على أحمد لم يذق فيها طعم الزاد, حاول الأطباء إجباره على تناول الطعام لكنه عجز عن الأكل. وفي إحدى استفاقاته فاجأ أحمد أصدقاءه بأنه يرغب في تناول "شوربة خضار وفرخة مشوية" من مطعم على الطريق الصحراوي كان يتردد عليه أحيانا.
 
وبالفعل ذهب محمد هنيدي الذي اشترى له ما أراد وفوجئ أصدقاؤه بأنه تناول نصف دجاجة. وكان يجلس بجواره محمد هنيدي ويسرا التي طلبت من هنيدي أن يضفي على الغرفة بعض البهجة فألقي بنكتة تقول كلماتها "واحد طلع شجرة علشان يبقى مدير فرع". وهنا ضحك زكي بصعوبة ودخل بعد ذلك مرحلة الموت السريري.
 
بين نقيضين
اعتبر كثير من النقاد أحمد زكي من أهم المواهب بين ممثلي مصر خلال الأعوام الـ30 الماضية, ويأتي في مقدمة من استطاعوا أن يجمعوا بين النقيضين: النجم والممثل في عدد من الأفلام بينها "النمر الأسود" و"العوامة 70" و"عيون لا تنام" و"البيه البواب" و"سواق الهانم" و"أرض الخوف" و"شفيقة ومتولي" و"كابوريا" و"مستر كاراتيه" و"البطل" و"ضد الحكومة" و"هستيريا" و"الهروب" و"اضحك الصورة تطلع حلوة".
 
وحقق زكي نجومية هائلة كسر بها نموذج البطل شديد الوسامة فوجد فيه الكثيرون نموذجا للشاب المصري العادي الذي استطاع أن ينطلق في عالم السينما ويغير الكثير من قواعده القديمة.
 
أحمد زكي مع المذيعة بوسي شلبي في افتتاح فيلم "أيام السادات" (الفرنسية)
ويرى هؤلاء أن زكي قد تميز بأداء صادق وتقمص كامل لكل شخصية أداها فتمكن من الوصول إلى كل المشاهدين على اختلاف ثقافاتهم. وتعتبر الناقدة المصرية ماجدة موريس أداء زكي التمثيلي أكثر عمقا وثقلا من أعمال فناني جيله لأنه "الوحيد الذي تماهى مع الشخصيات التي أداها بصدق يصل إلى درجة الجنون".
 
وأضافت أن زكي تلخيص لنموذج وقيمة غير موجودة الآن في الوسط الفني في مصر إذ كان يعمل بلا حسابات كتحقيق شهرة أو مكانة لدى سلطة ما أو اكتساب ثروة.
_______________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة