عمرو موسى ..عنوان النظام العربي وضحيته   
الثلاثاء 1430/1/24 هـ - الموافق 20/1/2009 م (آخر تحديث) الساعة 0:18 (مكة المكرمة)، 21:18 (غرينتش)

كثيرون يرون أن بقاء موسى في منصبه "لم يعد يخدم هدفا وطنيا أو قوميا"
(رويترز_أرشيف)

محمد داود-الجزيرة نت

حين صاح المغني الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم "أنا بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل" بدا وكأن شعبان أو شعبولا كما يلقب قبل موسى قبلة الموت، فبعد أشهر قليلة خرج الرجل من الخارجية المصرية ليعين أمينا عاما لجامعة الدول العربية.

كان عمرو موسى قد برز باعتباره واحدا من أقلية تتناقص في خنادق السلطة العربية ما زالت تمثل أو تتمثل حقبة النهوض العربي، وبات اسمه متداولا في الشارع المصري باعتباره مرشحا لمنصب الرئيس في مصر. لكن انتقاله أو نقله إلى الجامعة العربية أعاد إلى أذهان كثيرين مصيرا مشابها لوزير الدفاع المصري عبد الحليم أبو غزالة.

لم تنحسر الأضواء عن موسى كثيرا رغم خروجه وإن قل تأثيره الفعلي، فالرجل المولود عام 1936 لأسرة قاهرية اشتهر ببراعته في التعاطي مع الإعلام وعرف بمهاراته الدبلوماسية.

خاض موسى مواجهات عدة أمام عدسات الإعلام مع إسرائيليين وغربيين منحته احتراما واسعا في الشارع العربي المتعطش لمواقف تتجاوز "الدبلوماسية" ففي اجتماع للدول المنخرطة في خارطة الطريق خاطب موسى وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مطالبا إياها برفع الفيتو الذي تفرضه إدارتها على المصالحة بين سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحكومة الوحدة الوطنية التي أقالها برئاسة إسماعيل هنية، وقد رفضت رايس طلبه متشبثة بأنه لا يجوز التصالح مع من يرفضون شروط الرباعية الدولية في إشارة لحركة حماس.

وفي يونيو/حزيران الماضي شهد الجميع مشادة بينه وبين الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز حول سياسات إسرائيل المعرقلة لمسيرة التسوية.

ظل موسى في ذهن الشارع العربي صوتا عاليا قادرا على مفاجئة الجميع رغم مسيرته الطويلة في الدبلوماسية المصرية، فقد انضم الرجل للخارجية بعد تخرجه من جامعة القاهرة حاملا شهادة في الحقوق عام 1957، وظل يتدرج في الخارجية من سفير في الهند إلى ممثل لبلاده في الأمم المتحدة قبل تعيينه عام 1991 خلفا لعصمت عبد المجيد وزيرا للخارجية في مصر.

أثارت مواقفه ردود فعل غاضبة في الولايات المتحدة وإسرائيل، وقال كثيرون إنه أبعد عن وزارة الخارجية بسبب مواقف بدت متشددة أكثر من اللازم، ولم تكن منسجمة مع المواقف المصرية التقليدية للصراع مع إسرائيل. ويقول آخرون إنه أبعد كي لا يكون منافسا على منصب الرئاسة في مصر.

"
ظل موسى نجما رغم فشل الجامعة في التأثير على مجريات أحداث جسام وأخرى أقل شأنا شهدها العرب في عهده
"
ورغم مواقفه عالية النبرة أحيانا فإن موسى تعرض لانتقادات من معتدلي الجامعة والمتصلبين فيها، فقد اضطرت الكويت والعربية السعودية يوما لتذكيره أنه مجرد موظف يستلم مخصصاته من تبرعات الأعضاء وذلك حين انتقد السياسات العربية تجاه العراق ومشاركة دول عربية في حصار العراق قبل احتلاله.

قَبِل أن ينتقد ويتهم بتهريب النصاب لقمة الدوحة إذ اكتفى موسى بعد أصوات الراغبين بالمشاركة دون أن يسعى لانعقاد القمة التي عارضتها مصر بشدة، وقيل لاحقا إن الأمين العام أو من يمثله ربما زور في رغبات الحضور والغياب، لكن الأمين العام الذي عرف بحبه الشديد لتوضيح مواقفه ظل على صمته ولم يعقب.

ظل موسى نجما رغم فشل الجامعة في التأثير على مجريات أحداث جسام وأخرى أقل شأنا شهدها العرب في عهده، فمن غزو العراق وما تلاه، إلى خلافات اللبنانيين وخلافات فريق 14 آذار اللبناني مع سوريا إلى أزمة دارفور، والصراع بين سلطة الرئيس الفلسطيني مع حركة حماس، بدت الجامعة العربية مجرد شاهد حينا ووسيطا غير ناجع أحيانا، وكثيرا ما ألقى موسى باللائمة على ضعف العرب وتشرذمهم ما أضعف جامعتهم ودورها.

وكثيرا ما تأرجح موسى بين إعلانه رسميا وفاة عملية التسوية مع إسرائيل، والعودة تحت وطأة الأعضاء أو بعضهم للإعلان عن تمسك الجامعة والعرب بالمبادرات وخيارات التسوية، بل إن الجامعة في عهده شكلت وفدا زار إسرائيل لأول مرة في تاريخ العلاقات العربية الإسرائيلية ما عده البعض تطبيعا من الجامعة لم تكن مضطرة إليه.

ظل موسى منذ انتخابه العنوان الأبرز لما يسمى بالنظام العربي وهو مسمى لم يعرفه أحد من قبل لكنه ظل يشير إلى محصلة التجاذبات العربية في اتجاهاتها المختلفة حينا والمتعارضة غالبا، وظل كذلك يجر الخيبات والفشل ويراوح محاولا التوفيق بين المعسكرات، وناعيا للشعوب جامعة أنظمتهم وآمال وحدتهم.

دعاه كثيرون للاستقالة، مثل المفكر العربي راشد الغنوشي، وزعيم حزب الأمة السوداني الصادق المهدي الذي رأى أن بقاء الرجل في منصبه "لم يعد يخدم هدفا وطنيا أو قوميا" لكن الرجل أبى حتى اللحظة مراهنا على مجهول يغير ما يسميه موسى "التشرذم العربي" دون أن يشير مرة واحدة إلى مصدره.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة