صحيفة: "جماعة الدعوة" لغز يكتسح الشرق الأوسط   
الثلاثاء 1437/2/27 هـ - الموافق 8/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:36 (مكة المكرمة)، 12:36 (غرينتش)

في غمرة الهجمة الشرسة على الإسلام في بعض أجهزة الإعلام الغربي لا سيما عقب الهجمات المسلحة التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس وولاية كاليفورنيا الأميركية مؤخرا، بدأت الأضواء تُسلط على إحدى الحركات الإسلامية التي لطالما عُرفت بنهجها الدعوي المتسامح.

الحركة المعنية هي جماعة الدعوة والتبليغ التي باتت واحدة من أسرع الحركات الإسلامية نموا، بل إنها باتت تكتسح منطقة الشرق الأوسط حاليا بكل أناة وتؤدة.

فهل يمكن اعتبار هذه الجماعة بمثابة ترياق لتنظيم الدولة الإسلامية أم أنها تشكل تهديدا آخر للغرب؟ سؤال طرحته صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الإلكترونية وحاولت الإجابة عنه في تقرير مطول.

تقول الصحيفة إن الجماعة التي بدأت كحركة تهدف إلى إيقاظ الشعور الديني لدى الأقلية المسلمة "المضطهدة" في الهند إبان الحكم البريطاني، تحولت خلال القرن الماضي إلى "ظاهرة عالمية" تضم في صفوفها ما قد يصل إلى خمسين مليونا من الأتباع.

ومن المهام التي تضطلع بها: تنظيم رحلات لأتباعها يتنقلون خلالها من قرية إلى أخرى ومن مسجد إلى آخر لنشر تعاليم الإسلام عند إخوانهم في العقيدة، واستقطاب مزيد من المؤيدين. ودرجت الجماعة على إيفاد نشطاء منها إلى أكثر من مئتي دولة، من بينها الولايات المتحدة.

غير أنه ما من منطقة شهدت استجابة أسرع لنداء جماعة الدعوة والتبليغ في السنوات الأربع الأخيرة من منطقة الشرق الأوسط، إذ استقطبت عشرات الآلاف من الشبان "المتبرمين".

وبالنسبة لهذا الجيل من الشباب ذي النزعة الإسلامية، فإن إخفاق حركات مثل الإخوان المسلمين في حكم مصر، وخيبة الأمل المتفاقمة جراء الفوضى وحالة اليأس التي تسببت بها الجماعات الإسلامية والمسلحة في سوريا والعراق، كل ذلك خلَّف فراغا واسعا عميقا، بحسب كريستيان ساينس مونيتور.

فمن قلب القاهرة إلى أرياف سوريا التي تئن تحت وطأة الحرب، فإن مصائب الإسلاميين هناك كانت عند جماعة الدعوة والتبليغ فوائد.

كريستيان ساينس مونيتور: تصرّ جماعة الدعوة والتبليغ على أن رسالتها تنبذ العنف ولا تضمر حقدا وكراهية لأتباع الديانات الأخرى أو الأشخاص، بل إنها تسعى لأن تقول للمسلمين إن ما يتعرضون له من ظلم واضطهاد في بلدان مثل سوريا إنما هو علامة على مجتمع فقد قيمه الأخلاقية

مكبح أم بوابة للتطرف؟
وترى الصحيفة أن العواصم الغربية "التي تترنح جراء هجمات باريس الإرهابية ستتقبل هذه الجماعة بكل ترحاب"، لكنها تتساءل "هل تستطيع حركة متزمتة وسرية تروج لمفاهيم دينية صارمة ترفض الحياة العصرية، سطع نجمها كالدعوة والتبليغ، أن تظل عند العهد بها؟".

فبدلا من أن تكون جماعة الدعوة بمثابة "مكبح" للتطرف، فإن بعض النقاد يرونها نمطا من الإسلام من شأنه أن يكون "بوابة" لذات الممارسات التي تقول إنها تريد التصدي لها.

ففي بريطانيا، اجتذبت الجماعة أتباعا مثل ريتشارد ريد الذي حاول في أواخر عام 2001 تفجير قنبلة مزروعة في حذائه على متن طائرة كانت متوجهة إلى الولايات المتحدة.

وتصر الجماعة على أن رسالتها تنبذ العنف ولا تضمر حقدا وكراهية لأتباع الديانات الأخرى أو الأشخاص، بل إنها تسعى لأن تقول للمسلمين إن ما يتعرضون له من ظلم واضطهاد في بلدان مثل سوريا إنما هو علامة على مجتمع فقد قيمه الأخلاقية، على حد تعبير الصحيفة الأميركية.

وتمضي الصحيفة في تقريرها إلى القول إن مصر ظلت منذ وقت طويل عند الإسلاميين هي الجائزة، لأنها الدولة الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم العربي. ودبّ إحساس لدى جماعة الدعوة أن الفرصة باتت مواتية لها الآن هناك، فالرئيس محمد مرسي الذي أطاح به الجيش في 2013 يقبع في السجن بانتظار تنفيذ حكم الإعدام فيه، وحُظرت حركة الإخوان المسلمين، فيما تواجه المجموعات الإسلامية الأخرى ضغوطا من الحكومة المدعومة من العسكر.

وقد ظلت الدعوة والتبليغ بمنجى من تلك الإجراءات الصارمة، ذلك لأنها نأت بنفسها عن المعترك السياسي وعن انتقاد الحكومة. ويقول ناشطون إن الجماعة تشهد "نهضة" في مصر وربما تمكنت من مضاعفة عضويتها في السنوات الخمس الماضية.

انتكاسات
ويقدر محللون من خارج هذه الجماعة عدد أعضائها في مصر بنحو ثلاثمئة ألف.

من المآخذ على هذه الجماعة عند كريستيان ساينس مونيتور، أنها ترى في الموسيقى والتلفزيون أدوات للفساد، بينما يزعم بعض النقاد أن هدفها على المدى البعيد هو إقامة بؤر إسلامية للتطهر ترفض شرعية الحكومات

ويرى خبراء أن الانتكاسات التي تعرضت لها جماعات "الإسلام السياسي" في مصر ودول الربيع العربي، أتاحت "أرضية خصبة" للحركات التي ترنو لإحياء الشعور الديني مثل الدعوة والتبليغ.

وبالنسبة لبضعة ملايين من المسلمين ممن أقضّت الحروب الطاحنة في العراق وسوريا واليمن وليبيا مضاجعهم، فإن الدعوة للجهاد المسلح يكون لها صدى قوي ومستمر. لكنها عند جماعة الدعوة التبليغ فإنها تمثل "تحديا مباشرا" لجوهر رسالتها القائمة على أن طريق الخلاص يكمن في تأكيد الثوابت الإسلامية.

وعلى الرغم من جهودها في مخاطبة الشباب "المتطرف"، فإن الدعوة والتبليغ هي نفسها لها تقاطعات مع التشدد. فنهجها الإسلامي المقاوم للتحرر ورفضها للحداثة جذب نحوها أتباعا مضوا فيما بعد لتبني العنف ضد الغرب باسم الإسلام.

وتسوق الصحيفة مثالا على ذلك محمد صديق خان "مُدَبِّر الهجمات الإرهابية في يوليو/تموز 2005 في لندن، الذي كان يؤدي صلواته في مسجد تابع للدعوة والتبليغ في شمال إنجلترا".

كما أن جون ووكر ليند، الأميركي الذي قاتل مع حركة طالبان، كان يحضر اجتماعات الدعوة والتبليغ في الولايات المتحدة، حيث تقول الجماعة إن لها الآن خمسمئة ألف من الأتباع.

غير أن مسؤولين في الجماعة يردون على ذلك بالقول إن هؤلاء الأفراد انتهكوا كل مبادئها الأساسية، ومن ثم فإنهم لا يمثلونها. ويشير هؤلاء إلى أن "الجهاديين المتشددين" معارضون للدعوة والتبليغ ولجوهر رسالتها القائمة على تزكية النفوس.

ومن المآخذ على هذه الجماعة -عند كريستيان ساينس مونيتور- أنها ترى في الموسيقى والتلفزيون أدوات للفساد، بينما يزعم بعض النقاد أن هدفها على المدى البعيد هو إقامة "بؤر إسلامية للتطهر ترفض شرعية الحكومات".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة