محمد بن عيسى يكتب: سيدي الطيب الزيلاشي   
الثلاثاء 1430/2/29 هـ - الموافق 24/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 0:15 (مكة المكرمة)، 21:15 (غرينتش)

 

حين أسترجع رحلتي الطويلة مع الطيب صالح, الصديق والرفيق الحكيم والوفي, يذوب في الذهن الزمان. واحد وثلاثون سنة بدون بداية, وفي الذاكرة بدون نهاية. من يصدق أن الطيب صالح توفي رحمه الله؟

رحلة طويلة تعددت خلالها لقاءاتنا في الدوحة وباريس وتونس ولندن وواشنطن والرياض والقاهرة وأصيلة. عاش الطيب حياة المفكرين والأدباء والمبدعين الرحل, متقشفا كريما ومتسامحا منفتحا على الآخر.

لقاؤنا الأول كان في فندق الخليج القديم في الدوحة في شتاء 1978، قصدت المنبع أستشف المعرفة والنصح والبصيرة، كنت حاملا بمشروع أصيلة الثقافي، وقصدت الطيب أعرض عليه الفكرة والمشروع، لم يقدمه إلي أحد ولم يحدثني عنه أحد.

قرأت له "موسم الهجرة إلى الشمال" وترسخت قامة الرجل في الذهن والوجدان، ربما قرأت في الرواية الرائعة عن نفسي, عن جيلي, عن صراع الأنا والآخر في الغرب الحاكم والمتقدم والثري "الأبيض بسلوف شقراء وعيون زرقاء وشهوة محجبة بالعجرفة والاستعلاء, قبالتها فحولة الأنا السوداني المسلم العربي المقهور المتخلف الفقير, والرغبة في لذة الانتقام بلا ضرر".

وبدأت باكتشاف أسرار الرجل، تواضعه الصوفي وأنافته وقناعته المثلى وفكاهته المستورة ووفاؤه اللامتناهي. كان نقيا نزيها ومتعففا، وصوته الوديع القوي واستحضاره للآخر دائما بالحسنات، سميته شيخي سيدي الطيب تبركا بصفاء سريرته وعمق تأمله وسعة زهده في الدنيا.

لن أنسى محجنا إلى "جبل العلم" في سلسلة جبال الريف في المغرب، حيث ضريح الصوفي الشيخ عبدالسلام ابن المشيش العلمي الإدريسي رائد الشاذلية وشيخ موردها أبي الحسن الشاذلي رحمهما الله. أمضينا يوما وليلة بجوار الضريح والطيب صالح مسكون بروحانية المقام وأصوات المقرئين وتهاليل الزوار، سهرنا إلى قرابة طلوع الفجر، بكي سيدي الطيب وقبل الشباك والشجرة والهواء وعانق السماء، صوفيته غمرها الإيمان والحب وطهارة المكان.

العام الماضي زرته مع زوجتي في سكناه البسيط الهادئ في ويمبلدون في ضواحي لندن وتغدينا معه وزوجته، وأمضينا نصف يوم نحكي ونتذكر ونمزح. كان سيدي الطيب منهكا من حلقات "الدياليز" (تصفية الدم بسبب العجز الكلوي)، ولكنه كان كعادته متفائلا بشوشا ومهذبا في كل شيء. كرر لي الاعتذار عدة مرات عن عدم قدرته على حضور موسم أصيلة الثقافي الدولي في الذكرى الثلاثين العام 2008.

سنشتاق لزيارته لأصيلة في كل صيف, وحتى في كل شتاء. عزاؤنا أن سيدي الطيب الذاكرة والقهقهة الحالمة، غرفته في بيتي وفي فندق زيليس، مائدته في مطعم غارسيا وسمره والزوار من الكتاب الشباب والمعجبين والمحبين, سيدي الطيب هذا باق حاضر لم يمت، لن يزورنا كل عام ولكن روحه أزلية باقية فينا، في كل "الزيلاشيين"* وفي كل زوار أصيلة, كل عام.
______________
* زيلاشي هو اسم سكان أصيلة نسبة إلى زيلس اسم أصيلة الفينيقي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة