عجوز مغربية تستعيد بالرسم وهج الحياة   
الأربعاء 1439/4/15 هـ - الموافق 3/1/2018 م (آخر تحديث) الساعة 23:09 (مكة المكرمة)، 20:09 (غرينتش)

عزيزة بوعلام-الرباط

في ركن بصالة الجلوس داخل دار المسنين بالعاصمة المغربية الرباط، بدت المسنة رقية منشغلة برسم لوحة فنية، وإلى جانبها تقبع نزيلات في المكان مشتتات الذهن يفكرن بعمق وقد تلاشت أعينهن في صمت وسكون أمام جهاز التلفاز.

تستأنس المسنات ببرامج التلفزيون بعيدا عن عالم "أمي رقية" كما يناديها من في الدار، إذ وراء كل منهن حكاية بعضها معروف بينهن وبعضها الآخر يختزنّه أسرارا غير قابلة للنشر.

بإيقاع رتيب لحركة يدها المترهلة الواهنة، تغمس رقية فلان الريشة في خليط الألوان المائية، وتسكب على ورقة بيضاء جامدة مشاهد عالقة في ذاكرتها البعيدة والقريبة، فتنطقها معنى وجمالا جسدته بحيوية ألوانها المتناغمة في إبداع فني، قد لا يصدق الناظر إليه أنه لامرأة على أعتاب التسعين من عمرها.

هذه المسنة التي عشقت الرسم قبل عشر سنوات فقط، رسمت بحماس زهورا وبيوتا وطيورا ووجوها بموهبة فطرية مدعومة بخيال خصب وحس طفولي.

هي رسومات تبدو بسيطة، لكنها برأي مدير الدار محمد كفاف "تعبر عن قصص وتحمل معاني خاصة جسدتها بعد أن بلغت هذا العمر".

ويضيف كفاف للجزيرة نت أن هذه المرأة وجدت ضالتها في الرسم فهي تعبر من خلاله عن ذكرياتها وآمالها، والأهم في نظره أنها تستأنس بوقتها داخل الدار بهذا الأسلوب الممتع، ومن خلال المشاركة في مجموعة من الأنشطة والمعارض التي تحتفي برسوماتها وغالبها تنظمها جمعيات مهتمة بالمسنين.

همست رقية ونظارتها الطبية على عينيها اللتين تركزان على ما ترسمه، وقالت بفرح يصعب تفسيره إنها تسابق الزمن للانتهاء من اللوحة لتقدمها هدية بمناسبة حلول العام الجديد في حفل لجمعية خيرية سبق أن اشتغلت فيها.

تواصل رقية رسوماتها التي وجدت فيها ملاذا وتسلية تنفض من خلالها غبار وجع السنين، وتتناغم مع المحيطين بها، فيما تستخدم الريشة بحركة بارعة، وتتحدث عن كل ما يخطر ببالها من قصص عن والدها وزوجها المتوفيين وعن أقاربها وأصدقائها.

محمد كفاف تحدث عن حرص الدار على إيجاد طرق لتسلية نزلائها (الجزيرة)

نوادر ومواقف
كانت رقية تحوك بين كلماتها حكاية لعجوز رأت أن المصير التقليدي لحياة ما بعد الستين، هو العيش في دار للمسنين لكي تنعم بالرعاية، بعدما لم تعد قادرة عن العمل في البيوت وإعالة نفسها.

تمتلئ ذاكرة رقية بالنوادر والمواقف والأحداث مثلما يمتلئ وجهها بالتجاعيد، ويعكس قفازها الجلدي صولات وجولات الريشة التي تخط بها على مساحات الأوراق البيضاء، فتترك آثارها رسومات متنوعة تحاكي روحها المحبة للطبيعة الساحرة أينما كانت.

تنقلت رقية بمشيتها الزاحفة في أرجاء الدار، وهي تتفقد ما تصل إليه يداها من لوحات فنية مرتبة بعناية فائقة على رف خشبي إلى جانب سرير نومها، لتقدم للجزيرة نت فكرة عن كل لوحة رسمتها وشهادات الاعتراف والتقدير لما تبدعه، وصورا فتوغرافية من بينها صورة للفنانة التشكيلية المغربية شعيبية طلال التي تعتبرها ملهمتها.

رقية التي حولت غرفتها إلى صالة عرض، استطاعت على مدى سنوات إقامتها في الدار أن تبدع عشرات اللوحات المتنوعة، لتثبت أن الموهبة لا تعترف بأرقام العمر.

وتقول إنها استمدت قوتها من دعم المحسنين الذين يوفرون كل احتياجات هوايتها وتشجيع الناشطات في الدار وطاقمها الإداري. وقد شاركت في معارض عديدة برسوماتها، وفق ما أفاد به مدير الدار.

قصة هذه المسنة الموهوبة مع الرسم بدأت مع زيارات متكررة لفنان تشكيلي للدار، حيث أيقظت دروسه لنزيلات المركز حسها الفني الفطري، فوجدت في الألوان عالمها الذي تنقذ به وحشة لياليها بعيدا عن حضن العائلة، قائلة إنها وجدت في مساحات الأوراق البيضاء المكان الأرحب لإنزال حمولة السنين التي تحتفظ بها ذاكرتها.

فاطمة السعداوي قالت إن أجواء دار المسنين ألهمتها الإبداع (الجزيرة)

تلوين الحياة
وتصرّ رقية -التي تعتبر جزءا من ذاكرة هذا المكان- على تلوين حياتها حتى آخر يوم في عمرها، إذ تقضي معظم وقتها وهي تمارس أكثر هواية عزيزة على قلبها بالتلوين والرسم.

وتقول "أستمتع وأنا أرسم وأفرح بفرح الناس بما أبدعه"، وتضيف "لا أرسم من أجل بيع لوحاتي بل لاحتضانها، فهي تعوضني عن كل ما فقدته طوال تسعة عقود".

أما المسنة فاطمة السعداوي فتقول إن هذه الأجواء ألهمتها وحفزتها على إبداع إكسسوارات يدوية ورسومات على الزجاج بحبات الخرز.

وعبّرت هذه المرأة الستينية بأنها تشعر براحة نفسية كبيرة أثناء قيامها بهذه الأعمال، التي تعكس مشاعرها وأحاسيسها وحنينها لدفء عائلتها.

وتعبّر فاطمة بنوع من اليقين الذي يرى أثره في بوارق السرور على صفحات وجهها، عن الفرح الذي ينسيها آلام السنين عندما تهدي مشغولاتها إلى النزيلات اللواتي يتقاسمن معها العيش بالدار.

وتحدث محمد كفاف مدير الدار عن حرص المركز الذي يحتضن حوالي 19 مسنا ومسنة، على إيجاد طرق لتسليتهم وتفريغ الطاقة الموجودة لديهم من خلال الرسم والتطريز.

في المقابل يرى ناشطون في مجال مواكبة كبار السن أن ممارسة المسنين مثل هذه الهوايات أو المواهب تعود عليهم بحالة نفسية تجعلهم ينظرون إلى الحياة نظرة تفاؤلية بعيدة عن العمر والأرقام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة