طب على أساس العِرق   
الأحد 1434/11/11 هـ - الموافق 15/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:54 (مكة المكرمة)، 12:54 (غرينتش)
البحث العلمي هو مفتاح تطوير علاجات جديدة (أسوشيتد برس)
هنري ميلر*

لا شك أن العِرق موضوع شائك، إذ قد يؤدي أي اقتراح بشأن الاختلافات الجينية "الوراثية" بين المجموعات العرقية -بعيدا عن الخصائص السطحية مثل لون البشرة- إلى استحضار ذكريات من حركة تحسين النسل في القرن التاسع عشر والدور الذي لعبته في نهاية المطاف في نشأة الأيديولوجية النازية. والآن مع سعي شركات الأدوية على نحو متزايد إلى تطوير أدوية تستهدف مجموعات عرقية بعينها، فإن موضوع علم الوراثة العرقية الذي ظل من المحظورات لفترة طويلة عاد إلى الظهور.

ويتمحور قسم كبير من النقاش الدائر حاليا حول ما إذا كان من الجائز أن يصبح العِرق معيارا للمشاركة في التجارب السريرية، وبالتالي ما إذا كان من الواجب أن تذكر الملصقات على عبوات الأدوية العِرق على وجه التحديد. وبرغم أن القضايا معقدة فإن الحلول بسيطة: اتباع البيانات.

والواقع أن التجارب السريرية ليس المقصود منها إثبات فعالية علاج ما (الأدوية أو الأجهزة الطبية أو غير ذلك من التدخلات) بين أفراد عينة عشوائية تماما من عامة السكان. بل يحرص الباحثون بدلا من ذلك على "إثراء" مجموعة الدراسة باستخدام خاصية مثل السن أو نتائج الاختبارات المعملية، لانتقاء مجموعة فرعية من المرضى الذين من المرجح أن يكون استكشاف تأثير التدخل عليهم أسهل مقارنة بالحال مع استخدام مجموعة غير مغربلة.

قسم كبير من النقاش الدائر حاليا يتمحور حول ما إذا كان من الجائز أن يصبح العِرق معيارا للمشاركة في التجارب السريرية

المؤشرات الحيوية
وفي الأعوام الأخيرة أصبحت "المؤشرات الحيوية" مثل بعض تسلسلات الحمض النووي أو وجود مستقبلات لبعض الأدوية بعينها، مؤشرات متزايدة الأهمية لتحديد مدى الأهلية للتجارب السريرية.

وهذا ليس بالنهج الجديد، فعلى سبيل المثال، كان العلماء يعرفون لعقود من الزمان أن بعض الأدوية من الممكن أن تسبب فقر دم حادا وشديد التدهور في الأشخاص الذين يعانون من نقص وراثي في الإنزيم "G6PD". وفي وقت أقرب، أدرك الباحثون أن بعض أدوية السرطان غير فعالة في مكافحة الأورام التي تحتوي على متغير متحور للجين "KRAS".

وقد عززت هذه الاكتشافات من قدرة الباحثين على إثراء مجموعاتهم الدراسية بمرضى من المرجح أن يستفيدوا من الدواء، في حين تجنب المرضى الذين من غير المرجح أن يستفيدوا أية آثار جانبية ناتجة عن التعرض للدواء. وبالتالي فإن هذا النوع من الإثراء يمكن الباحثين من تعزيز "القوة الإحصائية" للتجارب السريرية، وذلك من خلال توفير احتمال استكشاف الفوارق، إن كان لها أي وجود، بين مجموعات الدراسة.

ولأن عددا أكبر من الموضوعات أو التكرار يعزز من قدرة التجربة على استكشاف كل التأثيرات ذات الصلة، وهو ما يعزز من الثقة في النتيجة بدوره فإن نتائج الدراسات الصغيرة تميل إلى الإيحاء -بقدر كبير- بعدم اليقين، وذلك ما لم تكن تأثيرات التدخل قوية.

ويسمح الإثراء للباحثين بأداء تجارب أصغر حجما وأكثر تنويرا من خلال مساعدتهم في تصميم دراسات تظهر فوارق علاجية نسبية مرتفعة بين الدواء وأي شيء آخر تجري مقارنته به (وهو في الغالب دواء وهمي، ولكنه قد يكون دواء آخر في بعض الأحيان).

في الأعوام الأخيرة أصبحت "المؤشرات الحيوية" مثل بعض تسلسلات الحمض النووي أو وجود مستقبلات لبعض الأدوية بعينها، مؤشرات متزايدة الأهمية لتحديد مدى الأهلية للتجارب السريرية

هرمون النمو البشري مثالا
وفي ثمانينيات القرن العشرين، ساهمت إحدى العلامات البيولوجية في نجاح التجربة السريرية الصغيرة ولكن البالغة الأهمية حول هرمون النمو البشري في الأطفال غير القادرين على إنتاجه بشكل طبيعي. إذ يفقد بعض الأطفال القدرة على إنتاج هرمون النمو بسبب إصابة أو أورام، ويفتقر آخرون إلى النشاط الطبيعي لهرمون النمو من الولادة بسبب تحور جيني، ويفتقد غيرهم الجين المسؤول عن الترميز للهرمون تماما.

وإعطاء المجموعة الأخيرة هرمون النمو من مصدر خارجي أمر غير مجد، لأن أجهزتهم المناعية تتفاعل مع البروتين "الأجنبي" بإنتاج أجسام مضادة. ورغم أن الهرمون قد يحفز النمو لفترة قصيرة، فإن الأجسام المضادة سرعان ما تقيده وتحيده.

ومن خلال الحد من مجموعة الدراسة بحيث تقتصر على الأطفال في المجموعتين الأخريين، والذين يعمل هرمون النمو الخارجي على تحفيز النمو الطبيعي لديهم، حقق الباحثون فارقا علاجيا نسبيا بلغ 100%. وبعبارة أخرى فإن كل خاضع للتجربة تلقى الدواء الفعال استجاب له، ولم يستجب أي من الذين تلقوا العلاج الوهمي. ونظرا لهذه النتيجة فقد وافق القائمون على التنظيم في الولايات المتحدة على تسويق العلاج استنادا إلى تجربة ضمت 28 مريضا فقط.

من الواضح أن العلامات الجينية مفيدة في تصميم التجارب السريرية، ولكن هل تشكل العوامل الأكثر ذاتية مثل العِرق أيضا أهمية في هذا الصدد؟

بالنسبة لدواء القلب "BiDil" (وهو مزيج من الموسع الوعائي هيدرالازين والأيسوسوربيد ثنائي النترات)، فإن الإجابة هي نعم. ففي عام 1996 دفعت التجارب السريرية غير الحاسمة الأجهزة القائمة على التنظيم في الولايات المتحدة إلى رفض الدواء. ولكن عندما كشف تحليل أكثر تفصيلاً للبيانات عن فوائد محتملة مرتفعة بالنسبة للمرضى من ذوي البشرة السوداء أجريت تجربة جديدة على 1050 من المرضى السود الذين يعانون من قصور قلبي شديد والذين أثبتت العلاجات المتوفرة عدم فعاليتها معهم.

البعض ينظرون إلى العلاج الطبي القائم على العرق باعتباره ضروريا للحد من الفوارق الصحية، في حين يعتبره آخرون تمييزا صريحا
نتائج مذهلة
وكشفت الدراسة عن انخفاض معدل الوفيات بنسبة 43% وانخفاض عدد الزيارات إلى المستشفيات بين المرضى الذين عولجوا بالدواء "BiDil"، وقد كانت هذه النتائج مذهلة إلى الحد الذي جعل الدراسة تنتهي في وقت مبكر. ورغم أن هذا الدواء لم يحقق نجاحا تجاريا كبيرا منذ حصوله على الموافقة في عام 2009، فإنه لا يزال مطروحا في السوق.

وينظر البعض إلى العلاج الطبي القائم على العرق باعتباره ضروريا للحد من الفوارق الصحية، في حين يعتبره آخرون تمييزا صريحا. فعندما حصل دواء القلب "BiDil" على الموافقة، حذر فرانسيس كولينز -الذي كان مديرا للمعهد الوطني لأبحاث الجينوم البشري في الولايات المتحدة آنذاك- قائلا إنه لا بد أن نتحرك دون إبطاء بعيدا عن الافتراضات الضبابية والمضللة بشأن الاستجابات للأدوية، مثل العِرق، ونحو أسباب أكثر تحديدا.

لا شك أن كولينز كان محقا، فالعِرق آلية خام وغير مكتملة لفهم الفوارق والاختلافات الوراثية. ولكن يتعين علينا أن نكافح المرض بما لدينا من بيانات ومعلومات، وليس بالبيانات التي نتمنى لو كانت لدينا. وبرغم الحساسيات السياسية والأخلاقية فإن اختبارات الأدوية وآلية الموافقة عليها لا بد أن تتفق في مسارها مع الاتجاه الذي تقودنا إليه الأدلة أيا كان.
-------------------------------------
* طبيب وزميل الفلسفة العلمية والسياسة العامة في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، وهو المدير المؤسس لمكتب التكنولوجيا الحيوية في إدارة الأغذية والأدوية في الولايات المتحدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة