اليأس في زمن إيبولا.. قصة قرية "المريض صفر"   
الاثنين 1436/1/4 هـ - الموافق 27/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:04 (مكة المكرمة)، 13:04 (غرينتش)

جلس إتيان أوامونو (31 عاما) خارج منزله الطيني المكون من غرفتين يتطلع إلى مجموعة صغيرة من الصور القديمة، واحدة منها يظهر فيها بجانب زوجته وهو يبتسم ويمسك طفلا صغيرا بين ذراعيه.

ترتعش يداه بينما يتذكر تلك اللحظات الأكثر سعادة، لم يبق إلا هو على قيد الحياة من بين جميع من كانوا في الصورة، ابنه إميلي الذي لم يتجاوز عامه الأول أصبح "المريض صفر"، الضحية الأولى لأسوأ تفشي لفيروس إيبولا في التاريخ، والذي أودى حتى الآن بحياة ما يزيد على 4900 شخص في غرب أفريقيا.

لم يسمع أحد من قبل عن مرض يسمى إيبولا في قرية ميلياندو النائية، المؤلفة من مجموعة صغيرة من الأكواخ المستديرة والمباني الحجرية البسيطة، المحاطة بالحقول الخصبة وأشجار استوائية في عمق الغابات المطيرة في غينيا.

وتغيرت أحوال سكان قرية ميلياندو الفقيرة البالغ عددهم خمسمائة قروي، ويعيش أغلبهم على زراعة الأرز والذرة والموز، بشكل كامل في ديسمبر/كانون الأول الماضي، فقد أصبحت القرية الصغيرة "المنطقة صفر" لوباء إيبولا الذي انتشر بسرعة كبيرة في مختلف أنحاء المنطقة.

العلماء يعتقدون أن الطفل الصغير إميلي ربما يكون لامس دم الخفافيش آكلة ثمار الفاكهة النيئة والتي تعد طعاما شهيا في المنطقة

خفافيش الفاكهة
وكان إميلي الضحية الأولى للفيروس وتوفي في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي، ويعتقد العلماء أن الطفل الصغير ربما يكون لامس دم الخفافيش آكلة ثمار الفاكهة النيئة، والتي تعد طعاما شهيا في المنطقة. ويعتقد أن الخفافيش هي الحاضن الطبيعي للفيروس.

وبعد مرور أسبوع توفيت شقيقته فيلومين البالغة من العمر أربع سنوات. وتلتهما جدتهما ثم عمتهما، وفي نهاية يناير/كانون الثاني توفيت أمهما سيا، التي كانت حاملا في الشهر الرابع.

وفقد أوامونو ستة من أفراد عائلته في غضون أقل من شهر واحد بسبب مرض غامض اعتقد أن سببه السحر. ويقول أوامونو بينما يتجمع حوله أطفاله الثلاثة الباقون على قيد الحياة رغم شدة الرطوبة والقيظ، "اعتقدت أن قريتي ضدي، اعتقدت أن كل عائلتي ستموت، فقدت كل أمل".

وسرعان ما انتشر فيروس إيبولا فى أنحاء القرية، وأقيمت الجنازة تلو الأخرى، ومع تغسيل الجثث وعرضها في صناديق قبيل دفنها، أصبح عدد القبور الجديدة التي تم حفرها بحلول أبريل/نيسان 21 قبرا.

بعد أن سادت حالة من الذعر في ميلياندو، فرّ الكثير من القرويين منها، ولم يكن يعرف الكثير منهم أن محاولتهم لحماية أنفسهم بالهرب ستساعد في انتشار الفيروس في جميع أنحاء المنطقة

الذعر
وبعد أن سادت حالة من الذعر، فرّ الكثير من القرويين -بما في ذلك العامل المحلي في مجال الصحة- من ميلياندو. لم يكن يعرف الكثير منهم أن محاولتهم لحماية أنفسهم بالهرب ستساعد في انتشار الفيروس في جميع أنحاء المنطقة.

ومن بين الذين فروا من القرية والد أوامونو "فاسينت" البالغ من العمر 47 عاما، الذي اصطحب أبناءه وأحفاده وقطعوا مسافة تزيد على أربعمائة كيلومتر محشورين داخل حافلة صغيرة حتى وصلوا إلى مدينة سيجويري. وأمضى فاسينت هناك ثمانية أشهر قبل أن يعود مؤخرا إلى ميلياندو.

ويقول فاسينت "لا يزال هناك الكثير من العار، بمجرد أن يسمع الناس أننا من ميلياندو ترتعد فرائصهم أو يفرون هاربين، إنهم يعتقدون أننا ملوثون".

ولم يبلغ مسؤولو الصحة العامة وزارة الصحة سوى عن مرض غامض ذو معدل وفيات مرتفع في العاشر من مارس/آذار، وأكدت الحكومة تفشي إيبولا في 19 مارس/آذار. وسجلت منظمة الصحة العالمية 1540 حالة إصابة بالفيروس في غينيا بحلول 22 تشرين أول/أكتوبر الماضي، توفي منها 904 أشخاص.

التوعية
وبعد التأكد من ظهور فيروس إيبولا، زار العاملون الصحيون ميلياندو -التي يستغرق الذهاب إليها من العاصمة كوناكري يومين بالسيارة- لتوعية أهالي القرية وتعليمهم كيفية منع انتقال العدوى.

يمضي أوامونو ساعات طويلة كل يوم يستمع إلى جهاز راديو "ترانزستور" أحمر اللون يذكره بابنه إميلي، ويقول "كلما أذيعت أغنية، كان إميلي يرقص.. اعتدنا أن نضحك كثيرا"

وفي نوبة من الجنون، بدأ سكان القرية في حرق كل شيء في المنازل التي توفي فيها مصابون بالمرض، من مراتب الأسرة والفراش والملابس والمناشف وأحيانا المعدات الزراعية.

ويقول كبير مسؤولي القرية أمادو كامانو إن الخوف سلب الناس عقولهم، إذ أحرقوا ما لديهم من ممتلكات قليلة، مشيرا إلى أكوام من الرماد في الجزء الخلفي من المنازل.

ذكريات
ومع اتباع الإرشادات الصحيحة، تمكن سكان ميلياندو من احتواء انتشار المرض في غضون أسبوعين. ولكن بحلول ذلك الوقت كان فيروس إيبولا قد عصف بالقرية، بحسب كامانو.

وعلى الرغم من حملات التوعية، لا تزال أغلبية السكان تخشى وصمة العار التي تصاحب الإصابة بالمرض. فسيارات الأجرة ترفض نقل الركاب من ميلياندو. ولا أحد يرغب في شراء منتجات مزارعي ميلياندو الذين -ونتيجة لذلك- ليس لديهم أي وسيلة لشراء السلع الأساسية مثل زيت الطهي والسكر و-الأهم- الصابون.

ويمضي أوامونو ساعات طويلة كل يوم يستمع إلى جهاز راديو "ترانزستور" أحمر اللون يذكره بابنه إميلي. ويقول "كلما أذيعت أغنية، كان إميلي يرقص.. اعتدنا أن نضحك كثيرا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة