متلازمة الجنين الكحولي تضرب أطفال بريطانيا   
الأحد 23/3/1437 هـ - الموافق 3/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:42 (مكة المكرمة)، 11:42 (غرينتش)

كارلا باور-الجزيرة

لا أحد يعلم عدد المواليد الذين يعانون من متلازمة الجنين الكحولي في بريطانيا، والتي يبتلى بها الجنين عندما تستهلك أمه كميات من المشروبات الكحولية تتسبب بتشوهات خلقية واضطرابات عقلية له.

شهد عام 2013 تشخيص 252 حالة في بريطانيا مصابة بمتلازمة الجنين الكحولي، إلا أن المتخصصين يرون أن الرقم الحقيقي قد يصل إلى الآلاف، خاصة أن الكثير من الأطفال الذين يعانون من تلك الأعراض يشخصون على أنهم مصابون بمرض "التوحد".

وليس في بريطانيا سوى مركز واحد لعلاج حالات هذه المتلازمة التي تؤثر على نمو الأطفال وصحتهم العقلية والبدنية ومهاراتهم الاجتماعية.

وتقول شارون جاكسون التي تبنت وزوجها طفلين مصابين بالمتلازمة، "لقد علمتني التجربة أن لا أحد يعلم عن متلازمة الجنين الكحولي، وأن الكثير من الناس يميلون لتشخيصها بالتوحد لأن ذلك يؤمن لهم رعاية صحية أفضل".

وكانت شارون وزوجها بول قد قبلا رعاية وتبني الطفلين آندي وأخيه غير الشقيق إيدي، وتسلماهما من دائرة الشؤون الاجتماعية.

ويصف الزوجان آندي الذي كان عمره تسع سنوات حين تسلماه، بأنه كان رث الثياب ولم يعرف كيف يستخدم المرحاض، كما بدا أنه يعاني من انخفاض خطير في الوزن.

يحذر الخبراء من تبعات الفشل في تشخيص متلازمة الجنين الكحولي، حيث ينتج عن ذلك تدهور في الإعاقات الثانوية والعزلة والتعرض للطرد من الدراسة والإدمان والسجن والتشرد والكآبة والميل للانتحار

ويمضي الزوجان في وصف آندي، ويقولان إنه لم يكن يعرف كيف يستخدم الملعقة ولا يقرأ ويكتب سوى اسمه، ويعاني من ضعف في الذاكرة وقابلية محدودة على التعلم.

أما إيدي الذي كان عمره خمسة أعوام فلم يكن يستطيع المشي ولا الكلام، وكان يزحف على الأرض ويقلد نباح الكلاب.

ورغم أن الطفلين يظهر عليهما "التوحش" بوضوح، فإن صعوبات التعلم وقصور الفهم التي كانا يعانيان منها، بدت بكل تأكيد أنها أبعد من مجرد توحش وافتقار للمهارات الاجتماعية.

وكانت أول مرة يعلم فيها آل جاكسون عن شيء اسمه متلازمة الجنين الكحولي هي عندما اطلعا على ملف الطفلين الذي ورد معهما من دائرة الشؤون الاجتماعية، حيث استخدمه أول مشرف على حالة الطفلين إلا أن من خلفه لم يأت على ذكره.

ولم يسمع الزوجان بالمصطلح مرة ثانية إلا بعد أربع سنوات، ولم يكن ذلك عن طريق الأطباء والاختصاصيين الذين أشرفوا على حالة الطفلين ولا عن طريق مشرفي الرعاية الاجتماعية، بل كان في برنامج حواري صباحي.

ويرى بول أن "كثيرا من الأطباء التقليديين والتدريسيين والمتخصصين في المجالات المتنوعة لا يعلمون شيئا عن متلازمة الجنين الكحولي".

ويشكو الزوجان جاكسون من إهمال كبير لهذا المرض الخطير، ويقولان إنهما قبلا رعاية ثلاثة أطفال أشقاء إضافيين كانوا مصابين بأعراض المتلازمة نتيجة إدمان أمهم على الكحول، إلا أن دائرة الرعاية الاجتماعية لم تأت على ذكر علتهم في ملفاتها.

وتصف شارون إحدى الأطفال الثلاثة -واسمها لويز- بأنها كان "عمرها ثمانية أشهر، إلا أنها لا تستطيع رفع رأسها ولا تستطيع أن تنام. لا يستغرق نومها أكثر من ساعة في كل مرة".

ورغم مثابرة الزوجين على مراجعة الأطباء لتشخيص حالة لويز التي تدهورت فيما بعد لتعاني من انهيارات عصبية مستمرة، فإن الأمر استغرق سنوات حتى حصلا على التشخيص الصحيح وهو "متلازمة الجنين الكحولي".

ويحذر الخبراء من تبعات الفشل في تشخيص هذا المرض، حيث ينتج عن ذلك تدهور في الإعاقات الثانوية والعزلة والتعرض للطرد من الدراسة والإدمان والسجن والتشرد والكآبة والميل للانتحار.

شارون وأطفالها بالتبني (الجزيرة)

وتشير التقديرات في الولايات المتحدة أن ما لا يقل عن 25% من نزلاء السجون يعانون من متلازمة الجنين الكحولي ولم يجر تشخيصهم طبيا بالشكل الصحيح، وأن 55% من المصابين بهذه المتلازمة -ممن تتراوح أعمارهم بين 12 و55 عاما- إما يدخلون السجن أو يصبحون نزلاء مراكز علاج إدمان المخدرات والكحول أو المصحات العقلية.

ويكمن أحد أهم الإشكالات في تشخيص الأطفال الذين يعانون من هذه المتلازمة في حقيقة أن المدمنات على الكحول غالبا ما ينتهي الحال بأطفالهن في مراكز الرعاية الاجتماعية، لذلك يكون من الصعب معرفة حقيقة تناول الأم للكحول في المقام الأول، الأمر الذي يخفي أهم وأول خيط للتشخيص الصحيح.

وقد فشلت الأبحاث إلى الآن في إثبات كمية الكحول التي يسمح للأم الحامل بتناولها، حيث أثبتت الدراسات أن الأضرار التي تلحق بالجنين قد تأتي من كمية قليلة من الكحول وقد لا تأتي، لذلك ينصح الأطباء بوضوح بتجنب الكحول تماما خلال فترة الحمل.

"
شهد عام 2015 ارتفاع وتيرة الاهتمام بمرض متلازمة الجنين الكحولي، عندما تقدمت سلطة محلية في بريطانيا بشكوى تطالب أمًّا بدفع تعويضات لابنتها المصابة بالمتلازمة، لأنها تناولت الكحول أثناء الحمل رغم تحذيرات الأطباء

ومن المعلوم أن تناول الأم الحامل المشروبات المسكرة يعني أن الكحول في دمها سوف ينتقل من خلال المشيمة إلى دم الجنين، ولأن كبد الجنين غير مكتمل النمو فإنه لا يستطيع تصفية وعزل السميات الموجودة في الخمور كما يفعل كبد الشخص البالغ.

يبلغ آندي اليوم 24 عاما وإيدي 19 ولويز 12، وقد كانت رحلة مليئة بالمشاق للأطفال والعائلة التي تبنتهم كذلك، ورغم التحسن الطفيف نتيجة مثابرة الزوجين فإن بول يقول بوضوح "إن تلف الدماغ الذي يحدث نتيجة تناول الأم للكحول يبقى مدى الحياة".

وفي حال آندي، فرغم أنه في الرابعة والعشرين فإن ذكاءه لا يتعدى ذكاء طفل في العاشرة من عمره، وهو دائم الحاجة للاهتمام ويغار من إخوانه لكنه ليست لديه ميول نحو العنف.

ورغم سنوات من علاج الأسنان المكلف والمؤلم، لا يستطيع آندي تذكر غسل أسنانه، ويجب أن يذكره أحد والديه بالتبني بشكل مستمر، والشيء نفسه ينطبق على غلق صنبور المياه بعد الاستخدام أو حتى أخذ المفاتيح عند الخروج.

ولا تختلف حال إيدي كثيرا عن أخيه فيما يتعلق بمشاكل الذاكرة، إلا أن التعامل معه أصعب حيث لديه ميل نحو العنف وتحدث له نوبات غضب عارمة.

ومن أخطر الأعمال التي أظهرت خطورة حالته، قيامه عندما كان في التاسعة من عمره بمحاولة شنق أخته بالتبني لويز التي كانت في الثانية من عمرها حينئذ.

وعندما سأله والداه بالتبني عن سبب قيامه بتلك الفعلة، قال إنها رمت أشياء على الأرض رغم نهيه المستمر لها.

وقد شهد عام 2015 ارتفاع وتيرة الاهتمام بمرض متلازمة الجنين الكحولي، عندما تقدمت سلطة محلية في بريطانيا بشكوى تطالب أمًّا بدفع تعويضات لابنتها المصابة بالمتلازمة، لأنها تناولت الكحول أثناء الحمل رغم تحذيرات الأطباء.

وقد أثارت القضية جدلا واسعا في بريطانيا، حيث يجادل البعض في: كيف يمكن لبلد أن يحاسب أمًّا على إيذاء جنينها بينما يسمح لها بالتخلص منه، في إشارة إلى إباحة الإجهاض.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة