"كُمبا".. جديد السودانية سارة الجاك   
الأربعاء 1436/10/26 هـ - الموافق 12/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:35 (مكة المكرمة)، 13:35 (غرينتش)

محمد نجيب محمد علي-الخرطوم 

مؤثرات عديدة نسجت خيوط سرد القاصة والروائية الشابة سارة الجاك في مجموعتها القصصية "كُمبا" الصادرة عن دار رفيقي بجنوب السودان. وهي ترتكز في حوار النصوص على أسئلة الهوية والوطن الواحد (شمال-جنوب) والعالم المفتوح على مصراعيه ومغلق أمام كل فقير، وأسئلة البؤس والحرمان.

وتختصر المفارقة في هذه النصوص التي تنقسم إلى قصة قصيرة، وقصة قصيرة جدا، وقصة قصيرة ملحمية. وظل الخطاب المسيطر في هذه المجموعة هو خطاب الحاضر، وأسئلة الماضي المرتبطة بالتصاهر والاندماج الذي ساهم في تكوين السودان الحالي.

الناقد والروائي عيسى الحلو: سارة لا تكتب عفو الخاطر، وهذا ما تفتقده الكتابة العربية الآن عند الكبار والصغار مما يشكل فوضى تجعل القراءة النقدية تدور خبط عشواء

وتستلهم الجاك من صورة الأنثى في المجتمع القيود الاجتماعية على البنت، وهذا ما دفعها للسعي سردياً لتحرير الأنثى من قيدها بارتياد آفاق التجريب والواقعية، والواقعية السحرية، والقصيدة القصة.

تقول للجزيرة نت "أنا أبحث عما يدهشني، يمتعني، يستفز تفكيري ويحفزني على محاورة النص، والغوص عميقاً في مكوناته. النص التقليدي جاذب ولكنه غير مدهش".

وتضيف "أنا أهب القارئ نعمة أن يكون مشاركاً في صناعة العقدة، مقترحاً لتفاصيل الشخوص، ناظماً للغة الحكي كما يجب أن يتلقاها. كما أحب أن يشاركني أحداثي التي هي أحداثه".

سؤال الوجود
من ضمن الأسئلة العديدة التي تطرحها مجموعة "كمبا" القصصية سؤال الوجود الإنساني بكل أبعاده الحياتية والفلسفية، والهوية التي مثلت السؤال المركزي، خصوصا وأن هنالك نصوصاً كتبت عقب الفترة الانتقالية التي سبقت استفتاء الانفصال، وأخرى بعد رحيل الزعيم الجنوبي جون قرنق.

وسيطرت روح المفارقة والثنائية، والثنائية الضدية، على عناوين المجموعة القصصية "أسرى القرنفل، الأرجوحة، نفس وتمائم، غواية استوائية، ظلال، كتاب المرأة، كتاب البؤس، موت المضارع أو حذف النقطة، دخان سنط الكارثة، عطر صندل النفير".

"اسمي ندى أحمد عثمان، أنا هنا لاستقبال مايكل هلمنت المبعوث الألماني الذي يزور البلاد ليؤكد أننا أول من خطا على ظهر البسيطة كلها... أبحث عن نص مميز ومختلف، أرهقني التفكير حتي وجدت المبروكة متعثرة الخطوات في شوارع ذاكرتي غير المرصوفة، أخذت بيدها، كنت دليلها خرجت بها وهي تتكئ علي... غشيتني تلك الذبذبات قبل سنوات بعيدة، بعيدة جداً، كنت حينها أظن أن النجاح الأكاديمي هو كل الأشياء، كنت غارقة في قاع ظني، لذلك فشلت".

سارة الجاك (الجزيرة)

ترسم الجاك من مأساة الجنوب والشمال، وما حدث من انفصال، صوراً متباينة قوامها أن "هؤلاء لم يعطوا فرصة لأولئك" فكان الاشتباك، فالحوار الداخلي لنص (غواية استوائية) له بذاكرة الكاتبة قوة الصفعة "الطبول تدق، الأسود تزأر، النسانيس تنتقل من رأس شجرة إلى أخرى، أشجار الأبنوس سامقة، الفتية يصطرعون، لونوا أجسادهم بالرماد، حملوا الحراب والكواكيب، يتدربون على استعمال الدروع، أرواح الأسلاف تمنعهم وتحذرهم ولكنهم لا يمتنعون.. ".

وفي نص "موت المضارع أو حذف النقطة" تقول القاصة "نقلت وكالات الأنباء خبر وفاته بعد أن اتخذت الدولة إجراءاتها الأمنية بعد أربع وعشرين ساعة، وبعد واحد وعشرين عاماً من الغياب وواحد وعشرين يوماً من الحضور، وبعد ثلاثة أعوام من الفجيعة حاصرني لأكتب عنه، ألا هل بلغت.. ". 

مشروع الكتابة
يرى الروائي منصور الصويم أن نصوص الكاتبة تميزت بذلك الملمح الأنثوي الخاص، فالمرأة في هذه النصوص عاطفة مبذولة أمامنا، بانفتاحها وانغلاقها وتقلباتها المتعددة، وقد عبرت هذه النصوص بصدقية سردية كبيرة عن تلك العوالم.

الصويم: نصوص الجاك تميزت بملمح أنثوي (الجزيرة)

ويمضي قائلا "في جانب التقنيات وأساليب الكتابة يمكن الإشارة إلى أن الكاتبة أظهرت براعة كبيرة، تظهر في النقلات التقنية التي يحسها القارئ بين كل نص وآخر داخل المجموعة الواحدة وبين كل مجموعة وأخرى، إضافة إلى أسلوبيتها المختلفة في كتابة الرواية، بما يعني أن هناك ميلاً نحو التجريب والابتكار الجاد".

ويقول الناقد والروائي عيسي الحلو إن الجاك أعدت وخططت لمشروعها الكتابي، وهو مشروع متكامل يتكون من أسئلة واضحة تبحث في مسائل الوجود وفي الاجتماع والسياسة والفن والفكر، وفي الكتابة على وجه الخصوص.

وأضاف أن الجاك لا تكتب عفو الخاطر، وهذا ما تفتقده الكتابة العربية الآن عند الكبار والصغار مما يشكل فوضى تجعل القراءة النقدية تدور خبط عشواء.

من جانب آخر، يشير الناقد عامر محمد أحمد إلى أن الجاك ظلت حريصة على سؤال الهوية والأنثى والمسكوت عنه، موضحاً أن تجربتها ارتبطت بالتغيير الذي أصاب المجتمع السوداني والعالم، وهي تسعي عبر السرد المتحرر من القيود واللغة البصرية والمفردة الشعرية لاستئناس وحشة هذا العالم الذي تراه يضمر لبنات جنسها ما يضمر.

تجدر الإشارة إلى أن الكاتبة كانت قد نالت جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان عام 2012 عن روايتها "خيانتئذ" مناصفة مع رواية "أتبرا.. خاصرة النهار" للروائي عادل سعد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة