ظواهر الكتابة   
الاثنين 1434/5/13 هـ - الموافق 25/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:08 (مكة المكرمة)، 12:08 (غرينتش)

 

منذ سنوات ليست بعيدة جدا، ظهر في أوساط الكتابة فجأة البرازيلي باولو كويلو بروايته الصغيرة الخيميائي، التي تتحدث عن راع للأغنام، يقرأ الكتب، ويطوف الدنيا، باحثا عن الحقيقة.

رواية بسيطة، وتبدو ساذجة في كثير من النواحي، وتخاطب -في رأيي- فئة عمرية معينة، لكن تلك الرواية ما لبثت أن انتشرت بطريقة لا يمكن تصديقها، لتوزع بملايين النسخ وبجميع لغات العالم، ويصبح كويلو -الهاوي الذي ألقى بحجره متأخرا في ماء الكتابة- واحدا من أشهر كتاب الروايات على مر العصور، وله عشاق لا يمكن حصرهم في كل بقعة من بقاع العالم العريض، تفرغ بعد ذلك تماما للكتابة، وعد إنتاجه اللاحق مواصلة لرائعته الخيميائي، كما توصف دائما عند ذكرها.

ومنذ أقل من عشر سنوات، ظهر الإسباني كارلوس رويس زافون برواية اسمها ظل الريح، تروى على لسان طفل يتيم في برشلونة، وسرعان ما تحولت تلك الرواية إلى أسطورة، وأيضا نقلتها جميع اللغات تقريبا، ودخلت في لائحة الكتب الأوسع انتشارا في العالم، ووصفت بالرواية الساحرة، وبأنها احتشدت بالجمال واختراعات اللغة، ثم ليتبعها زافون بروايتين أخريين، دخلتا أيضا في الذهنية القرائية للملايين، وقد شاهدت زافون مرة يوقع النسخة الإنجليزية لظل الريح في ميدان عام بلندن ومن حوله طوابير لا تنتهي من القراء، كل يحمل نسخته وينتظر دوره بصبر للحصول على التوقيع المميز.

وفي مستهل الألفية الجديدة، نشر الطبيب الأفغاني خالد حسيني روايته عداء الطائرة الورقية، وهي سيرة حياة له ولبلده أفغانستان.. لقد كتب حسيني تلك الرواية عقب اجتياح أميركا لأفغانستان، ولعل المناخ الذي كان سائدا بخصوص الإرهاب ومحاربته هو ما جعل عداء الطائرة الورقية رواية واسعة الانتشار بشكل غريب، ولتنتج بعد ذلك شريطا سينمائيا نجح أيضا في جلب مشاعر المشاهدين.

وفي عالمنا العربي نجد الجزائرية أحلام مستغانمي -التي ظهرت لأول مرة بروايتها ذاكرة الجسد في ثمانينيات القرن الماضي- تكسر سوء الظن الذي لحق بسمعة القراءة العربية، بجدارة، وتخترع قارئها المتيم الذي سيلاحقها بعد ذلك في كل أعمالها التي تلت، مثل فوضى الحواس، وعابر سرير، ونسيان.كوم، وروايتها الأخيرة الصادرة منذ عدة أشهر فقط: الأسود يليق بك.

المسألة هنا ليست جودة الكتابة من عدمها، ففي إسبانيا كتاب أكثر تمكنا من زافون، وفي أفغانستان والهند وباكستان كتاب أروع كثيرا من خالد حسيني، وكاملا شمسي -صاحبة الظلال المحترقة وهي ظاهرة أيضا- ولكن هو الهوس بغير الطبيعي دائما

لقد نشرت أحلام هذه الرواية في دار نشر عادية لا تحظى بشهرة كبيرة، ومع ذلك كان انتشارها في الوطن العربي انتشارا واسعا جدا، وبالمرور على موقع "غود ريدز" الذي يقيم فيه القراء الكتب، ويعلقون عليها سلبا أو إيجابا، كل حسب رؤيته، تجد أكثر من سبعة آلاف قارئ عبروا برواية الأسود يليق بك، وقيموها، أو أدلوا برأيهم فيها، بينما كتب لجميع الكتاب المرموقين وغير المرموقين، صدرت قبلها أو بعدها، عبر بها في أفضل الأحوال أربعون أو خمسون قارئا فقط.

منذ صدور الأسود يليق بك -وهي رواية حب وهجر وبذخ كما هي عادة روايات أحلام- تصدى عدد كبير من القراء والكتاب لمنازلتها، وصفت بأنها خواطر تخص المراهقين وليست رواية، ووصفت بأنها تكرار لتجربة أحلام في اللعب على وتر اللغة المزركشة ولا جديد فيها، وهناك من تصيد أخطاء لغوية، وفصلها في مقال، وهكذا، لكن ذلك لن يخدش سطرا من الرواية، ولن يزحزح القراء المتيمين شبرا عن قراءة كاتبتهم المفضلة، وقريبا جدا ستعبر الأسود يليق بك إلى اللغات الأخرى، كما عبرت غيرها من روايات الكاتبة، وأيضا هناك قراء في الغرب ينتظرون بولهٍ.

الذي أردت قوله من  ذلك، إنه وسط الماراثون العادي للكتابة الروائية في العالم كله -بما فيه عالمنا العربي- هناك ظواهر لا يمكن إنكارها ولا يمكن غض الطرف عنها، وأيضا لا يمكن التقليل من شأنها بأي نقد جارح أو ناعم، هناك كتاب ربما لم يتعمدوا أن يصبحوا ظواهر أو أساطير حين كتبوا أعمالهم، وتأتي ظروف أخرى لترفعهم فوق مستوى العادية، وتجعل أعمالهم مقدسة، يهاجم من يسيء إليها، وفي نفس الوقت كلما كثر الحديث عن تلك الأعمال نبت قارئ جديد لها.

القراء بطبعهم يتملكهم الفضول، وكل يحاول أن يقرأ ما قرأ عنه بكثافة، مدحا كان أو ذما، وحين يطلق لقب فخم على كاتب، وتوصف رواية له بأنها ساحرة وعظيمة، سيسعى عدد غير قليل من المهتمين وغير المهتمين بالقراءة للركض خلفها حتى يروا تلك العظمة بأنفسهم، أيضا إن وصف عمل ما بأنه سيئ وسطحي سينبت قارئا آخر ليرى بنفسه ذلك السوء وتلك السطحية.

هذا الكلام بالطبع لا ينطبق حرفيا على أي كاتب ولا أي كتاب، ولكن على أولئك الذين وصفتهم بالظواهر، ما الذي يضطر شخصا على حمل كتاب والوقوف لساعات طويلة في جو صيفي حار من أجل أن يحصل على توقيع زافون؟ ما الذي يضطره للتكدس مع المتكدسين في معرض بيروت أو الشارقة ليحظى بتوقيع مستغانمي؟ إن لم يكن زافون ظاهرة تستحق الوقوف طويلا من أجلها، وأحلام ظاهرة عربية تستحق التكدس أيضا من أجلها. ووسط هذا وذاك، ربما تضيع أعمال عظيمة، لا يقرؤها إلا القليلون.

المسألة هنا ليست جودة الكتابة من عدمها، ففي إسبانيا كتاب أكثر تمكنا من زافون، وفي أفغانستان والهند وباكستان كتاب أروع كثيرا من خالد حسيني، وكاملا شمسي -صاحبة الظلال المحترقة، وهي ظاهرة أيضا- ولكن هو الهوس بغير الطبيعي دائما.

أخيرا على الكتاب الذين ينظرون إلى تلك الظواهر بطرف أعينهم، أو يحاولون التقليل من شأنها -وفيهم كتاب مجيدون وبارعون- ألا ينظروا إلى الأمر بمنظار التفوق الذي يظنونه في كتابتهم، وأنها أجود، ومن حقها أن تحظى بمكانة أرفع لدى القراء، ولكن عليهم أن يعملوا بطريقة أو بأخرى لاختراع قرائهم. هناك عشرات الطرق لفعل ذلك، ولكن في النهاية لا شيء مضمون أبدا، هناك من يصبح أسطورة، وهناك من يظل على حاله مهما فعل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة