معاناة الفلسطينيين بالعراق بين بؤس العيش والتهديدات الأمنية   
الخميس 1427/2/22 هـ - الموافق 23/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:43 (مكة المكرمة)، 21:43 (غرينتش)

بؤس مخيم على مجمع الفلسطينيين في بغداد (الفرنسية-أرشيف)

في أحد أحياء
الجزء الجنوبي الشرقي من العاصمة العراقية بغداد تنتصب بعض العمارات السكنية لتكون ما يعرف بالمجمع السكني للفلسطينيين, حيث يعيش فلسطينيو العراق منذ عام 1948.

 

في حي البلديات القريب من منطقة بغداد الجديدة ينتصب هذا المجمع السكني المتواضع الذي يشبه المنفى ويفتقر للكثير من الخدمات وتحيط بمعظم جوانبه وبين أزقته مياه راكدة تنبعث منها روائح نتنة وتتكدس عند أغلب زواياه أكوام من القمامة.

 

شبح الخوف من المجهول والتهديدات التي بات فلسطينيو العراق يتعرضون لها وعمليات القتل والخطف التي طالت العديد منهم خلال الفترة الماضية، أضافت المزيد إلى معاناتهم.

 

ففي خضم تداعيات الأوضاع الأمنية والصراعات في العراق وجدوا أنفسهم, وهم الذين يعيشون في هذا البلد منذ حرب 1948, طرفا مباشرا في الأحداث الأمنية.

 

اعتقال وقتل

وأصبحوا, وخاصة منذ التفجيرات التي شهدتها منطقة بغداد الجديدة في مايو/أيار الماضي, موضع اتهام تطور فيما بعد إلى عمليات اعتقال وقتل واختطاف من قبل أطراف يصر أصحاب الشأن على وصفها بأنها مجهولة. كما أن أصواتا تعالت هنا وهناك تطالب بترحيل الفلسطينيين من العراق.

 

فلسطينيون ببغداد يهتفون ضد الأميركان بعد تلقيهم جثث اثنين منهم (رويترز-أرشيف)
الشيخ أيمن مصطفى (33 عاما) وهو إمام مسجد القدس في المجمع, قال إن هذا المجمع الذي يفتقر إلى الكثير من الخدمات شيد عام 1971 ليستوعب من حيث الأساس 768 عائلة لكنه يضم الآن 1700 عائلة بمجموع سكان يقدر بنحو عشرة آلاف شخص.

 

مصطفى, الذي يحمل شهادة الماجستير في الهندسة, أوضح أن الفلسطينيين من سكان هذا المجمع يعيشون "ومنذ فترة في حصار حقيقي، فالموظف وطالب المدرسة والعامل كلهم يخشون الذهاب إلى أعمالهم خوفا من أن يتعرف عليهم أحد بأنهم فلسطينيون وهذا قد يعرضهم لخطر القتل أو الخطف أو الاعتقال بدعوى أنهم إرهابيون".

 

وأكد عدد من سكان الحي أن حياتهم انقلبت فجأة رأسا على عقب منذ أحداث مايو/أيار الماضي عندما انفجرت سيارة مفخخة كان يقودها شخص استهدف سوقا شعبيا في منطقة بغداد الجديدة راح ضحيتها العشرات من السكان المنطقة, ليتهم على إثرها الفلسطينيون بالوقوف وراء الحادث.

 

أحد سكان المجمع الذي رفض ذكر اسمه وصف تاريخ 22 مايو/أيار من العام الماضي بأنه "عام النكبة الثاني لفلسطينيي العراق". فبعد يومين من ذلك الحادث عرضت قناة العراقية الرسمية ما قالت إنها اعترافات لأربعة أشخاص, كانت تبدو على وجوه بعضهم آثار الضرب وأنهم فلسطينيون.

  

"
عدد الذين قتلوا من الفلسطينيين أو وجدوا مقتولين بعد اختطافهم منذ أحداث سامراء بلغ 16 شخصا، والعديد من العوائل هجر المجمع خوفا، في حين قدمت إليه أعداد أخرى هربا مما لاقوه في المناطق التي كانوا يسكنون فيها
"
ثائر نور الدين, وهو شقيق أحد الأشخاص الأربعة الذين ظهروا على شاشة العراقية والذي يسكن بالمجمع, قال إن شقيقه "بريء تماما من الحادثة وأنهم اعترفوا بسبب التعذيب الذي مورس عليهم ونحن نمتلك من الأدلة ما يثبت أن شقيقي والآخرين الذين ظهروا معه لا علاقة لهم بالحادث لا من قريب ولا من بعيد".

 

وأضاف نور الدين أن شقيقه والآخرين "لم يتم تقديمهم حتى اللحظة إلى المحكمة وأن كل الاعترافات انتزعت منهم أثناء التحقيق".  

 

أما أيمن مصطفى فقد أكد أن استهداف سكان المجمع ازداد حدة وخاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة سامراء يوم 22 من الشهر الماضي عندما تم تفجير مرقد الإمامين العسكريين هناك.

 

ويروي كيف أن "ما يقارب 15 آلية هاجمت المجمع عصر ذلك اليوم يرافقها عشرات المسلحين أطلقت النار بشكل عشوائي في أرجاء المجمع مما أسفر عن إصابة خمسة أشخاص أحدهم من سكنة الحي وكانت جروح أحدهم خطيرة".

 

وأضاف أن "عدد الذين قتلوا من الفلسطينيين أو وجدوا مقتولين بعد اختطافهم ومنذ أحداث سامراء بلغ 16 شخصا، وأن العديد من العوائل هجرت المجمع خوفا, في حين قدمت إليه أعداد أخرى هربا مما لاقوه في المناطق التي كانوا يسكنون فيها".

 

هروب جماعي

وعلى إثر هذه الأحداث حاولت, قبل أيام معدودة, 50 عائلة مغادرة العراق وبشكل جماعي إلى الأردن, إلا أن السلطات الأردنية رفضت استقبالهم باعتبار أن مشكلتهم هي مشكلة الفلسطينيين اللاجئين في العراق وأن حلها يجب أن يتم من خلال الهيئات الدولية وسلطات البلدين.

 

وما زالت هذه العوائل محشورة الآن على الحدود بين البلدين بانتظار الحل. وقال الشيخ مصطفى إن معظم هذه العوائل كان يسكن هذا المجمع وأن "هجرتهم هي انعكاس لما وصلت إليه الأمور لفلسطينيي العراق".

 

ويرى نبيل محمود السهلي, وهو كاتب فلسطيني متخصص في عملية الإحصاء السكاني لفلسطينيي المنفى, أنه بعد أحداث التاسع من أبريل/نيسان 2003 عند سقوط بغداد "حاولت أطراف عراقية حاقدة زج اللاجئين الفلسطينيين في معادلة الأزمات العراقية المسعتصية بفعل الغزو الأميركي". ويضيف أن الأمر وصل "إلى حد الاعتداء على تجمعات اللاجئين في العراق في كل من منطقة البلديات وبغداد الجديدة ".

 

وأضاف السهلي في مقالة نشرت على موقع على الإنترنت للإعلام العربي أن تطورات الأحداث في العراق "أدت إلى طرد مئات الأسر الفلسطينية ليصبحوا لاجئين مرة ثانية بعد أكثر من 50 عاما على نكبتهم عام 1948".

 

وقال أحد سكنة الحي "إذا كانوا لا يريدوننا في العراق فليرحلونا من هنا إلى أي مكان لقد سئمنا العيش هنا في هذا القلق والخوف كلنا هنا مهددون ولا نعرف السبب, السبب الوحيد الذي نعرفه هو أننا فلسطينيون".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة