الميادين التركية تحرس الديمقراطية   
الأحد 1437/11/4 هـ - الموافق 7/8/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:49 (مكة المكرمة)، 13:49 (غرينتش)

خليل مبروك-إسطنبول

يعجز النوم عن التسلل لعيون التركي إرجان أكبولوت، فالمهمة التي يؤديها تتطلب أن يبقى يقظا مع من حوله في حراسة ديمقراطية دافع عنها الأتراك بالدماء.

فمع حلول ساعات الليل، يصطحب أكبولوت زوجته إلى ميدان تقسيم الشهير وسط مدينة إسطنبول، حيث يحتشد الآلاف من الأتراك كل ليلة فيما يطلقون عليه اسم "نوبة الحراسة"، خشية تكرار المحاولة الانقلابية التي فشلت في الإطاحة بحكم حزب العدالة والتنمية ليلة الـ15 من يوليو/تموز الماضي.

في تلك الليلة، خرج أكبولوت ذو الأربعين ربيعا للشارع فور سماعه نداء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمواطنين بالخروج ومواجهة قوات الانقلاب، لكن السهر في ميدان تقسيم تحول منذ ذلك اليوم إلى ممارسة يومية يؤديها إرجان كأنما هي عمل كلف به على وجه تحديدا.

انقلاب الغفلة
عن دوافعه للاستمرار في هذا الاعتصام يقول إرجان للجزيرة نت إن "الانقلاب يأتي عندما يكون الناس في غفلة، لذلك علينا أن نبقى يقظين، فلا نعطي الانقلابيين الفرصة ليعودوا".

ويضيف أكبولوت أنه حضر إلى الميدان دفاعا عن تركيا كلها، مشيرا إلى أنه يلتقي في الميدان بأناس كانوا لا يؤيدون الحكومة لكنهم وقفوا إلى جانبها ضد محاولة الانقلاب.

 إرجان وزوجته يعتصمان بميدان تقسيم (الجزيرة)

ويؤكد أنه سيبقى ثابتا في مكانه الذي لا يبرحه كل ليلة حتى طلوع الفجر، حتى يطمئن إلى أن من يفكرون بالانقلاب لم يعودوا قادرين على إعادة الكرة من جديد.

ويحظى ميدان تقسيم بأهمية رمزية وجغرافية خاصة، حيث صار عنوانا لأي تحرك شعبي يرافق الإرادة السياسية في تركيا.

وقد ازدادت رمزيته لدى الأتراك بعدما تمكن المواطنون فيه من صد قوات الانقلابيين، ومعاونة عناصر الشرطة الخاصة على السيطرة عليهم واعتقالهم قبل شروق شمس اليوم التالي لمحاولة الانقلاب.

ويشير إرجان إلى الموقع الذي كان يقف فيه ليلة المحاولة الانقلابية التي قتل فيها 268 تركيا، ويروي تفاصيلها بدقة، قائلا إنه نجا بأعجوبة من الرصاص الذي حلق على بعد سنتيمترات قليلة فقط من رأسه.

ورغم استتباب الأوضاع الأمنية، ومضي الإجراءات التي تنفذها الدولة ضمن قانون الطوارئ لوأد أي محاولة انقلابية جديدة في مهدها، ما زال الأتراك يتدفقون على الميادين المنتشرة في طول البلاد وعرضها لـ"حراسة الديمقراطية".

ظروف الاعتصام
يمضي الساهرون ليلهم في ترديد الأغاني الوطنية، والهتافات التي تحول ساحات الاعتصام إلى ما يشبه المهرجانات الاحتفالية، فيما تموج الميادين بألوان الأعلام التركية الحمراء وهي تتمايل على ألحان الموسيقى.

وتشارك الرموز السياسية والشخصيات الاعتبارية والفنانون الأتراك المعتصمين سهرهم في فقرات يمتزج فيها الترفيه بالسياسة لتبدد عن ليل إسطنبول الملل وساعات الإرهاق.

ويشير إرجان إلى أن كثيرا من العوامل اللوجستية التي توفرت استثنائيا في ساحات الاعتصام سهلت على الأتراك الثبات في الميادين دفاعا عن الديمقراطية، خاصة توفر الإضاءة المناسبة، ومنصات الخطابة ومكبرات الصوت التي تتوجه نحوها الأبصار.

شاب يعرض علما تركيا عليه صورة أردوغان في ميدان تقسيم (الجزيرة)

كما وفرت البلدية للمعتصمين أماكن خاصة يعرض الباعة الجوالة فيها الماء والأطعمة الخفيفة إضافة إلى تثبيت دورات مياه مؤقتة كانت الميادين تفتقر إليها في الأيام التي سبقت الاعتصام، فضلا عن إلغاء رسوم النقل وتحويل المواصلات العامة إلى الخدمة المجانية منذ ليلة الانقلاب.

وإلى جانب الساهرين على حراسة الديمقراطية التركية، وجد بعض الشبان والفتية في الحشود الليلية أسواقا مناسبة يلتقطون فيها أرزاقهم، فتراهم يمضون الليل بطوله يبيعون الأعلام التركية والأوشحة المزركشة والأدوات الصوتية الخفيفة، إضافة إلى قوارير الماء البارد في أكثر أيام الصيف حرارة خلال العام.

أحد هؤلاء الباعة قال للجزيرة نت وهو يحمل علم بلاده مع صورة للرئيس التركي أردوغان أن ميدان الاعتصام أفضل من الأسواق العادية لتسويق المطبوعات التي يهتم المعتصمون باقتنائها تعبيرا عما يحملون من مبادئ وأفكار.

وأضاف "لا نتمنى طبعا أن يكون في تركيا انقلابات جديدة، لكن ما جرى عاد علينا بربح أفضل مما كنا نجنيه قبل محاولة الانقلاب".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة