كلمة مخرج "الحج المحرم" أحمد الضامن   
الاثنين 1435/7/21 هـ - الموافق 19/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:07 (مكة المكرمة)، 14:07 (غرينتش)

قبل بضعة أعوام كنت في الطريق إلى الناصرة مع صديقة أجنبية كانت تقوم برحلة حجها في فلسطين. عندما اقتربنا من الناصرة لاحظت أنها كانت مصدومة ومنزعجة جداً. لقد اكتشفت أن الناصرة التي كانت في مخيلتها لم تعد تلك القرية الصغيرة التي جاء ذكرها في الكتاب المقدس. تلك الصورة ما زالت حاضرة في وسائل الإعلام الأجنبية في أماكن مختلفة من العالم.

كما علمت بأن أكثر من ثمانين ألف شخص يعيش في الناصرة اليوم جميعهم من العرب، يمثل المسيحيون المحليون 40% من سكان المدينة ويعرفون أنفسهم على أنهم فلسطينيون رغم أنهم يحملون وثائق إسرائيلية.

لو لم أكن معها في رحلتها لم تكن صديقتي لتحظى بفرصة لقاء سكان محليين وربما لم تكن لتكتشف كثيراً من المفاهيم الخاطئة التي سمعتها قبل القدوم إلى فلسطين. على الرغم من أن صديقتي لم تنضمّ إلى واحدة من مجموعات الحج التي تنظمها الشركات السياحية الإسرائيلية فإنها كانت تحمل في يدها كتيباً ومطبوعات أصدرتها وزارة السياحة الإسرائيلية.

لقد امتلأت هذه المطبوعات بأنصاف الحقائق والأكاذيب، لم تكن الخريطة التي كانت بحوزتها -على سبيل المثال- تعطي انطباعا بأن بيت لحم محاصرة بجدار فصل عازل، ولا أنها تصنف ضمن وضع سياسي مختلف عن مدن الجليل. كما تشير الخريطة إلى هضبة الجولان على اعتبارها جزءا لا يتجزأ من الدولة العبرية.

حتى أستطيع فهم الأبعاد الروحانية للحج وأهميته، قررت أن أبحث في جذور بداية الحج المسيحي. وقد استوقفتني قصة العلامة والأب أوريجانوس الإسكندري، الذي كان من أوائل من سكنوا الأرض المقدسة وكتبوا عن المسيحية فيها في القرنين الثاني والثالث الميلاديين. نظرة واحدة على ما آلت إليه الحال بعد 1800 سنة منذ رحيل أوريجانوس، تبين أن الوضع بعيد جداً عن ما كان المؤمنون الأوائل من المسيحيين يسعون إليه.

قصة أوريجانوس تمثل في تفاصيلها بوصلة ساعدتني أثناء عمل الفيلم على الحفاظ على الجانب الروحاني الأهم في قضية الحج على حساب الجوانب الاقتصادية والاجتماعية الأقل أهمية. 

من كواليس تصوير "الحج المحرم" (الجزيرة)

إيجاد وإقناع الشخصيات التي ظهرت في الفيلم بالحديث لم يكن أمراً سهلاً. لقد استغرق البحث عن أبطال العمل وإقناعهم أسابيع من البحث والاتصالات. العديد من القيادات الدينية المسيحية تخشى من الاضطهاد الإسرائيلي وتفضل عدم التحدث إلى وسائل الإعلام. يتضح السبب وراء ذلك عندما نلقي نظرة على أعداد الرهبان الذين تم ترهيبهم واعتقالهم وفي بعض الأحيان إيذاؤهم جسدياً. هذا النمط من الاضطهاد ازداد بشكل ملحوظ في السنوات العشر الأخيرة.

أثناء العمل على هذا الفيلم بدأت أدرك أنني لا أروي قصصاً لأحداث وقعت في السنوات القليلة الماضية فحسب، بل إنني أراقب تسلسلاً متصاعداً للأحداث. هناك اهتمام واضح من قبل مسؤولين وسياسيين إسرائيليين بدعم الجماعات اليهودية المتطرفة بدلاً من احتوائهم وتجريمهم. إن الوضع أقرب ما يكون "قنبلة موقوتة" لا يدرك أنها على وشك الانفجار.

لقد أصبحت سبل الحج التاريخية الاستثناء اليوم بدل أن تكون العادة، الأمر ليس متعلقاً فقط بسبيل مهجور أو رحلة غائبة، بل إنه "الحج المحرم".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة