تهويد القدس ولو في الصين   
الثلاثاء 12/1/1431 هـ - الموافق 29/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)

السياحة الإسرائيلية باتت أداة أخرى لتزوير التاريخ (الجزيرة نت)

عزت شحرور-بكين

معركة إسرائيل لتهويد مدينة القدس لم تقتصر على معاول الحفر والتهجير وهدم المنازل ومصادرة الأراضي، بل تعدت ذلك إلى السياحة التي باتت أداة أخرى لا تقل أهمية. وتشهد وسائل الإعلام الصينية حملة إسرائيلية واسعة ومنظمة وعالية التمويل تهدف إلى تزوير التاريخ وخلق وقائع جغرافية جديدة في ذهن المواطن الصيني.

صور ترويجية مدفوعة الأجر لمسجد قبة الصخرة تحتل مساحات واسعة على صفحات الصحف الصينية وعلى المواقع الإلكترونية لبعض وسائل الإعلام الرسمية بهدف تشجيع السياحة إلى إسرائيل، علمًا بأن قانون الدعاية والإعلان الصيني الصادر عام 96 يمنع في فقرته الرابعة الإعلانات التي تقدم معلومات مغلوطة وتساهم في تضليل المستهلك.

منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين عام 1992 حرصت الخطوط الجوية الإسرائيلية (العال) على تسيير رحلات مباشرة إلى بكين.

وتنظر إسرائيل بأهمية كبيرة إلى سوق السياحة الصينية حيث من المتوقع أن تتصدر الصين قائمة الدول المصدرة للسياح إلى الخارج عام 2020. وكان الجانبان قد وقعا على اتفاقية للتعاون السياحي عام 2007 ثم قامت الصين بعد ذلك بإدراج إسرائيل على القائمة الصينية للمقاصد السياحية في العالم في سبتمبر/أيلول 2008 ومنذ ذلك الحين زار إسرائيل أكثر من 20 ألف سائح صيني.

وبالطبع فإن النتائج لم تقتصر على العامل الاقتصادي فقط. فالكثير من وسائل الإعلام الصينية دأبت خلال الفترة الأخيرة على استخدام مصطلح "الدولة اليهودية" عند الحديث عن إسرائيل. كما أنها تتجنب وصف تل أبيب بأنها العاصمة وتكتفي بتعريفها بأنها "مدينة ساحلية إسرائيلية".

مواقف ضبابية
إعلانات ترويجية إسرائيلية في الصحف الصينية (الجزيرة نت)
وخلال أحد البرامج الحوارية في إحدى الإذاعات الصينية انبرى أحد الضيوف الصينيين لتصحيح ما أسماه بخطأ صيني شائع يعتبر أن تل أبيب هي عاصمة إسرائيل بينما في حقيقة الأمر فإن القدس هي العاصمة الحقيقية.

وعندما حاولنا استطلاع الأمر من معد البرنامج أوضح أنه فوجئ أيضًا بالأمر وحاول البحث على الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الصينية باعتباره مصدرًا رسميًّا ومحايدًا فلم يجد سوى معلومات ضبابية وغير واضحة لم يستطع فهمها، كما قال.

كما أن حديقة العالم بمحاذاة العاصمة الصينية التي تضم مجسمات كبيرة لأهم المواقع الأثرية في العالم ومن ضمنها مسجد قبة الصخرة تكتفي بتحديد تاريخ إنشائه وتتجاهل تحديد مكانه بخلاف المواقع الأخرى، في حين يضم مدخل الحديقة أعلام جميع الدول صاحبة المجسمات والمواقع داخل الحديقة يرفرف بينها أيضا العلم الإسرائيلي.

مثل هذه المواقف الضبابية التي تحاول مسك العصا من منتصفها أصبحت السمة البارزة التي تميز السياسة الخارجية الصينية بشكل عام بما في ذلك موقفها من الصراع العربي الإسرائيلي. وأدت هذه المواقف إلى تغير واضح وكبير في نظرة المواطن الصيني إلى العرب عمومًا وطريقة تعاطيه مع قضاياهم، كما برز ذلك واضحًا خلال العدوانين الإسرائيليين على لبنان وغزة.

فبعد أن كانت بكين تطالب بانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة عام 67 وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، صار الموقف الصيني يختبئ وراء اقتناع مفاده أن الصين تقبل ما تتفق عليه الأطراف المعنية بالصراع.

ويذكر أن سفارة فلسطين في بكين كانت قد نجحت عام 96 بالتعاون مع البعثات الدبلوماسية العربية والإسلامية في منع إيهود أولمرت عندما كان عمدة لمدينة القدس من تمثيل المدينة المقدسة والمشاركة في المؤتمر الدولي الخامس للمدن التاريخية الذي استضافته الصين آنذاك.

لكن ذلك كان قبل أن يصبح الفلسطينيون والعرب قبائل وشعوبا لا تتعارف، وقبل هذا الغياب الدبلوماسي والإعلامي العربي عن المشهد الصيني، وقبل أن يتحول الهم الأساسي للعرب والصينيين على حد سواء إلى الاكتفاء بمراقبة ميزان التبادل التجاري بينهم واعتباره المؤشر الوحيد على تطور العلاقات بينهم، والأكثر من هذا إصرار الجانبين العربي والصيني معًا على الوقوف على أطلال طريق الحرير دون أن يلاحظوا أن أشواكًا كثيرة قد نمت على جانبيه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة