تباين موقف واشنطن من اتفاقية جنيف لأسرى الحرب   
الخميس 1424/10/25 هـ - الموافق 18/12/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

أنس زكي

انشغل العالم بمتابعة إعلان قوات الاحتلال الأميركي في العراق أنها تمكنت أخيرا وبعد أكثر من 8 أشهر من البحث المكثف من اعتقال مطلوبها الأول في العراق الرئيس المخلوع صدام حسين.

ولم يتوقف الكثيرون أو لم تترك لهم فرصة التوقف للتعليق على المشاهد التليفزيونية التي روجتها الآلة الإعلامية الأميركية والتي تظهر عدوها الأول في حالة تختلف كثيرا عن الصورة التي اعتاد العالم أن يراه عليها.

ولم يكتف الأميركيون بالصورة التي أظهروا بها عدوهم بعد سقوطه في الأسر وإنما حرصوا على وصمه بالجبن وأنه لم يجرؤ على إطلاق رصاصة تجلب له موتا ربما يكون أفضل من الأسر.

وفي غمرة فرح الكثيرين بسقوط صدام الذي عانوا من ظلمه، وشعور آخرين بحزن ناتج في الأغلب عن بغضهم للآسر أكثر من الأسير، تصاعدت الانتقادات للصور التي عرضتها واشنطن لصدام مؤكدة أنها تنتهك اتفاقية جنيف وخاصة في مادتها رقم 13 التي تنص على معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية.

وجاء الانتقاد الأبرز لواشنطن من جانب الفاتيكان عندما قال الكاردينال ريناتو مارتينو رئيس إدارة العدل والسلام في الفاتيكان إنه شعر بالشفقة والعطف على صدام حسين عندما رأى الطبيب الأميركي يفحص أسنانه "كما يفحص البيطري البقر".

وحرص الكاردينال على تأكيد أنه من الوهم الاعتقاد بأن اعتقال صدام سيزيل جميع الأضرار التي أحدثتها حرب عارضها بابا الفاتيكان مؤكدا أن الدول الغازية استخدمت قانون القوة بدلا من قوة القانون.

ومن جانبها فقد دافعت واشنطن عن موقفها وقالت إن عرض صور صدام استهدف تأكيد نبأ اعتقاله، رغم أن واشنطن نفسها رفضت هذه الحجة عندما نشر العراق صور أسرى وقتلى أمريكيين في بداية الحرب ليؤكد للعالم أنه أوقع خسائر بالقوات الغازية.

واشنطن تدقق في الصور التي تنشر لجرحاها في العراق وتحرص على إخفاء وجوههم (أرشيف-الفرنسية)

واشنطن واتفاقية جنيف
وهكذا تباين موقف واشنطن من اتفاقية جنيف أكثر من مرة، فعندما كان الأسرى من الأميركيين كانت اتفاقية جنيف حاضرة بقوة، ولم تكتف واشنطن بمجرد الانتقاد وإنما عززته بحملة تأديبية تنوعت أساليبها بين استخدام الصواريخ ضد التليفزيون العراقي وتوجيه سهام النقد والتهديد لمحطة الجزيرة الفضائية.

ونال موقع الجزيرة نت حظا كبيرا من الحملة الأميركية وتعرض لعملية قرصنة بدأت مع تغطيته للحرب على العراق، وبلغت ذروتها عقب نشر الموقع صور الأسرى والقتلى الأميركيين لتنجح في تعطيل الدخول على الموقع لعدة أيام.

صور جثث عدى وقصي كما نشرتها واشنطن (أرشيف-رويترز)

لكن الموقف الأميركي سرعان ما تغير بعد أشهر قليلة وتلقت واشنطن اتهامات بانتهاك اتفاقية جنيف لعرضها صورا لجثتي عدي وقصي صدام حسين، لكنها عادت لاستخدام الحجة التي رفضتها من قبل وقال إنها اضطرت لنشر تلك المشاهد لإقناع العراقيين بأن نجلي الرئيس المطارد آنذاك قتلا فعلا.

غوانتانامو والانتهاك الأكبر
وإذا كانت اتفاقية جنيف قد انتهكت في حالة صدام ونجليه، وحتى لو كانت قد انتهكت عند عرض مشاهد الجنود الأميركيين فإن مسؤولين غربيين بل وأميركيين يعتبرون أن الانتهاك الأكبر والأخطر هو ما يجري في قاعدة غوانتانامو حيث يفتقد مئات المعتقلين إلى أبسط الحقوق.

وبين كل هذه الأحداث تبقى اتفاقية جنيف مطية لهذا الطرف أو ذاك وتصبح الاتفاقية القانونية في مهب ريح الرغبات السياسية وموازين القوى.

وفي الحالة العراقية الراهنة التي شهدت عودة الحديث عن اتفاقية جنيف إلى بؤرة الاهتمام، يؤكد البعض أن صدام سيعامل حتى محاكمته وفقا لما تنص عليه الاتفاقية، وفي المقابل يرى آخرون في ذلك نوعا من الحديث المرسل ويقولون إن الاتفاقية لم تحترم عند إعلان القبض عليه فكيف تحترم عند محاكمته؟
________________________
* الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة