دولة فلسطين.. المسار و"القفز بالهواء"   
الأربعاء 1432/10/17 هـ - الموافق 14/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 20:36 (مكة المكرمة)، 17:36 (غرينتش)


حسين جلعاد

مات الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وفي نفسه "حلم الدولة"، كيف لا وهو "أول رئيس" رعى إعلانها الافتراضي عام 1988 في الجزائر، وإن كان عرفات قد أحجم بعد عشر سنوات من ذلك عن توقيع اتفاق كامب ديفد جديد مع رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إيهود باراك، فإن خلفه "القائد" الجديد محمود عباس قد ذهب في خيارات التفاوض إلى أقصاها، بعد أن أسقط تماما خيار "عسكرة الانتفاضة" أيام كان رئيسا لوزراء عرفات.

بعد سنوات من التفاوض الثنائي المباشر، قرر عباس، رئيس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وحركة فتح، التوجه إلى الأمم المتحدة "لانتزاع" اعتراف أممي بدولته على حدود 1967، التي يعترف بها حتى الآن نحو 125 دولة، لكن الأمم المتحدة لم تعترف بدولة الحلم هذه، وتعتبر فلسطين مجرد مراقب في المنظمة الدولية.

ومع اقتراب موعد توجه القيادة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة, فحركة فتح تعتبر أن الخطوة تعد استحقاقا وطنيا ومعركة يجب الحشد لها دوليا ومحليا.

كما ترى حركة فتح أن هذه الخطوة نقطة النهاية للمفاوضات الثنائية، وتصحيح مسار عقدين من المفاوضات، وإعادة الملف للأمم المتحدة للبحث عن عملية سياسية مغايرة تقوم على عقد مؤتمر دولي بمرجعية المنظمة الدولية.

دويك شدد على أن القرار الفلسطيني يجب
أن يتم بالتوافق الوطني (الجزيرة-أرشيف)
ويقف إلى جانب فتح كل من الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير الفلسطينية وحزب الشعب وجبهة النضال الشعبي وحزب فدا.

"مكاسب وهمية"
أما حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فتصف هذه الخطوة بالانفرادية، التي تكتنفها مخاطر سياسية وقانونية تؤثر على مستقبل حق العودة ووجود منظمة التحرير وعلى وضع فلسطينيي 1948، إضافة إلى التنازل عن أرض فلسطين التاريخية مقابل مكاسب سياسية وهمية وغير حقيقية, وهو الأمر الذي تشاطرها فيه أيضا حركة الجهاد الإسلامي، التي تتحفظ على فكرة التوجه إلى المنظمة الدولية وتشكك في نجاحها دون توفر توافق فلسطيني.

وقد انتقد رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني عزيز دويك ذهاب السلطة الفلسطينية للأمم المتحدة من دون التشاور مع الفصائل الفلسطينية، مشددا على أن الخطوة كان يجب أن تتم بتوافق وطني، وبمشاورة كافة القوى، لا أن تقوم السلطة الفلسطينية بقرار منفرد وأن تستثني القوى المؤثرة على الساحة الفلسطينية.

وأكد دويك بحسب بيان صدر عنه، على أن "الاعتراف يجب ألا يلغي حق عودة اللاجئين إلى أراضيهم، أو يتم بموجبه الاعتراف بيهودية القدس الشرقية". واتهم دويك رئيس السلطة الفلسطينية بعدم إعطاء المصالحة الوطنية الأولوية، وقال "هناك عقبات لا تزال تواجه تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، منها شخصية رئيس الوزراء، وإنهاء ملف الاعتقال السياسي، وإعادة تفعيل المجلس التشريعي".

كما حذر القيادي بحماس صلاح البردويل من المخاطر التي تنطوي عليها خطوة السلطة الفلسطينية، ووصفها بأنها "قفزة في الهواء وخطوة غير مضمونة العواقب"، وقال "إن من شأنها شلّ المقاومة وإضاعة القدس وحق اللاجئين في العودة". وأكد البردويل أن "حماس" لا يمكن أن تكون مع أي خطوة تعترف بإسرائيل.

أحمد عساف: حماس تقف إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة (الجزيرة)
"إجماع وطني"
وفي المقابل، تؤكد حركة فتح أنها لم تقدم على تلك الخطوة إلا بعد أن ضمنت الإجماع الوطني. وتتهم فتح منافستها حماس بالتناغم مع الموقف الإسرائيلي والأميركي "المعادي" لطموحات وحقوق الشعب الفلسطيني.

وقال الناطق باسم حركة فتح في الضفة الغربية أحمد عساف، في حديث للجزيرة إنه "لا يستطيع أحد في هذا الكون أن يجبر القيادة الفلسطينية أو منظمة التحرير الفلسطينية أو حركة فتح على التراجع عن الثوابت الفلسطينية ومصالح الشعب الفلسطيني".

وردا على سؤال حول فيتو أميركي متوقع ضد التصويت على الدولة الفلسطينية، قال عساف إن سلطته ومنظمته وقيادته "لا تستطيع أن تلزم الولايات المتحدة كيف ستصوت"، وتساءل "هل ستقف أميركا في هذه المعركة إلى جانب حرية الشعب الفلسطيني، أم إلى جانب الاحتلال والإرهاب"؟

وشن المتحدث باسم فتح هجوما على موقف حركة حماس و"من يدور في فلكها"، وقال إن الحركة الإسلامية "تقف إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة"، وأنها بذلك "تحقق مصالح أعداء الشعب الفلسطيني من حيث تدري أو لا تدري"، ودعا عساف حركة حماس إلى التراجع عن هذا الموقف، متهما إياها بالانحياز إلى أجندات إقليمية لم يفصح عنها.

لكن يبدو أن اتهامات كهذه لا تعبأ بها الحركة التي تسيطر على قطاع غزة، ويرد البردويل على تلك التهمة بالقول "هذه حيلة هدفها الإساءة لحماس"، موضحا أن حركته ترفض هذه الخطوة لأنها ترفض الاعتراف بإسرائيل، "أما أميركا وإسرائيل فيخشيان منها على المفاوضات وعلى الهيمنة الأميركية".

ليبرمان حذر الفلسطينيين
من مغبة إعلان دولة فلسطينية (رويترز)
لسان واحد
وفي مقابل الجدل الفلسطيني الداخلي، تكاد إسرائيل والولايات المتحدة تنطقان بلسان واحد، فقد حذر وزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمان الفلسطينيين من مغبة إعلان دولة فلسطينية من جانب واحد. وقال إن هذه الخطوة ستكون لها "نتائج خطيرة".

والموقف ذاته شددت عليه سابقا وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، فقد أعلنت رفض بلادها تحرك الفلسطينيين لنيل العضوية الكاملة لدولتهم في الأمم المتحدة، قائلة إن ذلك يجب أن يتم عبر المفاوضات المباشرة.

وفيما أعلنت كلينتون عن إرسال مبعوثين أميركيين، هما دنيس روس وديفيد هيل، إلى الشرق الأوسط مجددا لإجراء محادثات مع القادة الفلسطينيين والإسرائيليين في هذا الصدد، فقد أكدت دون لبس أن "الطريقة الوحيدة للحصول على حل دائم هو من خلال محادثات مباشرة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، والطريق إلى ذلك موجود في رام الله والقدس وليس نيويورك".

لقد جلس عباس طويلا، مرارا وتكرارا، مع أميركيين وإسرائيليين منذ أوسلو، لكن يبدو أنه يدخر "ذخيرته" التي لم يطلقها طوال عقود حتى يصل مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، كي "يصحح" مسار التفاوض. ويؤكد مؤيدوه والناطقون باسمه أن ردة الفعل "الهستيرية" الصادرة عن إسرائيل وأميركا -وفق عساف- دليل على صواب الموقف الفلسطيني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة