الاتحاد الأوروبي والقضية الفلسطينية   
الأربعاء 1432/12/7 هـ - الموافق 2/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:24 (مكة المكرمة)، 15:24 (غرينتش)

غلاف الدراسة (الجزيرة نت)

تتعمق دراسة حديثة نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تحليل أبعاد الموقف الأوروبي تجاه عملية السلام في الصراع العربي الإسرائيلي منذ اتفاقيّة أوسلو 1993، وصولا إلى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 2009.

وتسعى هذه الدراسة لفهم أوضح لحقيقة الدور الأوروبي في العملية السلمية، ومحددات هذا الدور دوليا وإقليميا، والرؤى الخاصة لكل من طرفي الصراع فيما يتعلق بهذا الدور وتأثيره في مسار التسوية السلمية.

وهي تحاول الإجابة عن سؤال واضح: ما هو موقف الاتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية في الفترة من 1993 وحتى 2009؟

ويؤكد الباحث محمد هشام إسماعيل -الذي أعد الدراسة- أن الاتحاد الأوروبي يعد فاعلا رئيسا في الساحة الدولية، حيث يمارس دورا محوريا ومتزايدا في العديد من القضايا الدولية والإقليمية، خاصة في منطقة الشّرق الأوسط.

وقد بدا دوره في كثير من الأحيان مختلفا، من حيث الرؤية والمضمون والأدوات، عن مواقف الولايات المتحدة.

كما لاحظ أن أوروبا تمكنت من رسم معالم سياسة خارجية خاصة تجاه الصراع العربي الإسرائيلي منذ إصدار الجماعة الأوروبية إعلان البندقية لعام 1980، الذي كان أول بيان أوروبي رسمي يحدد موقفا واضحا من الصّراع.

وتضمن اعترافا بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، إلى جانب "حق إسرائيل في الوجود". وطالب بوضع نهاية لاحتلال إسرائيل للأراضي العربية، وأدان بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلّة.

ويؤكد أن مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر/تشرين الأول عام 1991، يعد أول ظهور لأوروبا كمشارك فاعل في عملية السلام، بعد أن اكتسبت رسميّا صفة المراقب داخل المؤتمر، عبر المساهمة الفاعلة في اللّجان متعدّدة الأطراف، والتي كُلّفت بتناول القضايا الفنّية وقضايا التّعاون المشترك في المنطقة.

وقد وجدت أوروبا في عقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991على أراضيها تغيرا مهما في الدور السياسي الذي يمكن أن تلعبه في عملية السلام. ورأت فيه تراجعا إسرائيليا عن موقفها الرافض لأيّ دور أوروبيّ. غير أنّ الولايات المتحدة سرعان ما همّشت هذا الدّور.

صاغت معاهدة ماستريخت لعام 1992 سياسة خارجيّة وأمنيّة موحّدة لأوروبا مع الإعلان رسميّا عن تأسيس الاتحاد الأوروبيّ. وأعقبها في عام 1996 تعيين ممثّل خاص للشرق الأوسط لنقل مقترحاته وضماناته لجميع الأطراف الضّالعة في الصّراع. ومنذ ذلك الوقت، أصبح للاتّحاد الأوروبيّ منسّقٌ يقوم بجولاتٍ في الشّرق الأوسط على غرار المنسّق الأميركيّ.

بين الدور الاتحادي والوطني
وتشير الدراسة إلى أنه بالرّغم من بروز سياسة خارجيّة وأمنيّة مشتركة لدول الاتحاد الأوروبيّ، وإنشاء منصب ممثّل عالٍ لتلك السّياسة، لم يؤدّ ذلك إلى اختفاء الدّبلوماسيّة الوطنيّة، خاصّة دبلوماسيّات الدّول الكبرى الأعضاء فيه كبريطانيا وفرنسا.

مع التأكيد طبعا على أنّ تحليل موقف الاتّحاد الأوروبيّ من الصّراع العربيّ الإسرائيليّ لا يتمّ خارج إطار الجهد الذي يبذله الاتحاد الأوروبيّ لينفرد بسياسةٍ خارجيّة حقيقيّة، خصوصا وأن الاتحاد لم يصغ سياسة مستقلّة بذاتها تجاه القضيّة الفلسطينيّة، بل كان دوما ينظر إليها بوصفها جزءا من سياسةٍ أشمل قد تتسع لتشمل المنطقة العربيّة أو الشّرق الأوسط بشكل عام.

دور الاتحاد الأوروبي السياسيّ في عمليّة التّسوية لا يزال محدودا للغاية، ولا يتوافق مع الدّعم الاقتصاديّ والماليّ الذي يقدّمه لطرفي النّزاع
نتائج

ومن النتائج التي توصلت إليها الدّراسة، أنّه على الرّغم من الجهد المبذول من قبل الاتّحاد الأوروبيّ ليكون له دورٌ فاعل ونشط في عمليّة السّلام في الشّرق الأوسط، إلا أنّ دوره السياسيّ في عمليّة التّسوية لا يزال محدودا للغاية، ولا يتوافق مع الدّعم الاقتصاديّ والماليّ الذي يقدّمه لطرفي النّزاع.

ويواجه هذا الدّور تحدّيًا كبيرًا لعجزه  تمامًا عن التّأثير. ويرجع ذلك إلى عددٍ من الأسباب يأتي في مقدّمتها عدم ارتياح الولايات المتّحدة نفسها لفكرة مشاركة الاتّحاد الأوروبيّ لها في صنع سياسة الغرب عامّة تجاه منطقة الشّرق الأوسط.

كما يمكن القول إنّ محدوديّة الدور الأوروبيّ ترجع أيضا إلى الأهمّية التي تمثّلها الولايات المتّحدة ودورها في تحقيق الأمن الأوروبيّ بالنّسبة إلى بعض الدّول الأعضاء في الاتّحاد.

ومن بين أسباب ضعف تأثير الاتّحاد الأوروبيّ في مسار التّسوية في الشّرق الأوسط عدم قدرته على صياغة سياسةٍ خارجيّة موحّدة، نتيجة تباين مواقف الدّول الأوروبيّة الرّئيسة الأعضاء في الاتّحاد في توجّهاتها نحو التّسوية، واعتراض إسرائيل المبدئيّ على إدخال أوروبا كطرفٍ فاعل في هذا الصّراع.

دور عربي
يؤكد الباحث أنه على الدّول العربيّة والفلسطينيّين العمل على تنظيم الجهود وتنسيق السّياسات تحت مظلّة واحدة، ولتكن جامعة الدّول العربيّة، بهدف تطوير التّعاون العربيّ الأوروبيّ ليشمل الجوانب السّياسيّة، ولا يكون مقصورا على الدّعم الاقتصاديّ لعمليّة السّلام.

فالاتحاد الأوروبيّ يجد مبرّرات لمواقفه الضّعيفة والمتخاذلة بشأن القضايا العربيّة وبالتّحديد القضيّة الفلسطينيّة في غياب أو عدم وجود توافق في الرّؤى والسّياسات بين الدّول العربيّة، بين بعضها أو بينها وبين الفلسطينيّين بشأن تلك القضايا ذاتها.

ولعلّ هذه مفارقة كبرى، فبدلا من أن تكون القضيّة الفلسطينيّة مجمعة لإرادات الدّول العربيّة لتسمو بها على أيّ خلافات بهدف تحقيق هدف سامٍ وهو تحرير الأرض، فإنّ تاريخ القضيّة الفلسطينيّة يشهد أنّها كانت دومًا –ولا تزال- محلا للتّنازع والانقسامات العربيّة.

ولعلّ ما تشهده العلاقات المتوتّرة بين الدّول العربيّة حاليًّا وانقسامها إلى دول اعتدال ودول ممانعة، خير شاهد على هذا الأمر.

وممّا يزيد الأمر تعقيدًا، وجود انقسامات في الدّاخل الفلسطينيّ بين حركتيْ فتح وحماس، فمن الضّروريّ العمل على توحيد الصّفّ الفلسطينيّ ووحدة الصّفّ العربيّ لجذب المزيد من التّأييد للقضيّة الفلسطينيّة، بالإضافة إلى استخدام كافّة أوراق الضّغط المتاحة للجانب العربيّ والفلسطينيّ لدفع الاتّحاد الأوروبيّ إلى القيام بدور سياسيّ متزايد في عمليّة السّلام.

وهو ما قد يتحقّق من خلال السّعي نحو تكوين جماعات ضغطٍ عربيّة قويّة أو ما يشبه "لوبيّا عربيّا" يمارس ضغوطا على الدّول الأوروبيّة الكبرى داخل الاتّحاد بما يحقّق الأهداف العربيّة والفلسطينيّة.

وبدلا من أن تكون القضيّة الفلسطينيّة مجمعة لإرادات الدّول العربيّة لتسمو بها على أيّ خلافات بهدف تحقيق هدف سامٍ وهو تحرير الأرض، فإنّ تاريخ القضيّة الفلسطينيّة يشهد أنها كانت دوما -ولاتزال- محلا للتّنازع والانقسامات العربيّة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة