مغارات إدلب.. هنا يعيش السوريون   
الأحد 1435/1/21 هـ - الموافق 24/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:33 (مكة المكرمة)، 12:33 (غرينتش)


محمد الناعوري-ريف إدلب

ليس سهلا أن يذهب صحفي ليغطي معاناة الناس، وأن تتحول مأساتهم لمادة إعلامية يحاول من خلالها إيصال مطالبهم، خصوصا إذا كان الموضوع عودة السوريين إلى القرون الوسطى والسكن في مغارات تشكل ملاذهم الأخير من صواريخ وبراميل متفجرة لا تُبقي ولا تذر.

ففي ريف إدلب، وفي القرن الحادي والعشرين، من لم ينزح لأحد مخيمات اللجوء في الدول المجاورة هربا من الموت القادم برا وجوا، وجد نفسه أسير مغارة بردها قارس شتاء وحرارتها كأنها الجحيم صيفا، ينام ساكنوها على الأرض جنبا إلى جنب مع الحشرات والقوارض.

عندما تصل إلى هذه المنطقة تشعر أنها نهاية العالم، ولكن تصادف أناسا يفضلون العيش في مغارات بلادهم وبين أهلهم ويدفنون فيها، على أن يواجهوا "ذل اللجوء، وامتهان كرامتهم في بلاد غريبة عنهم اجتماعيا وثقافيا".

يستقبلنا أبو جمال في "مغارته" ليروي لنا زاوية أخرى من المعاناة، فيقول إن جده توفي في مغارة مجاورة عن عمر ناهز 96 عاما، وكان أوصى بعدم دفنه "بمقبرة الشهداء" -التي استحدثت قرب المغارات- بل بين أهله وفي منطقته.

وأضاف أن عملية الدفن تمت بسرعة كبيرة بعدما "أمطرت القوات النظامية المنطقة بوابل من القذائف والصواريخ". وتساءل كيف لرجل عاش نحو عشرة عقود أن لا يموت في منزله ولكن بإحدى المغارات.

ومن مغارة إلى أخرى تتنقل الصورة القاتمة لحياة بشر لا يملكون ما يسد رمقهم أو يدفئهم، تطالعنا سيدة مسنة لتشكو عدم تلقيها مساعدات، أو حتى استطاعتها نصب خيمة "للاستحمام لها ولبناتها"، وتختم حديثها للجزيرة نت مشيرة للمغارات، "هنا نأكل ونشرب ونحتمي من القصف.. صارت منزلنا، هل تُصدق الحال التي وصلنا إليها؟ لمن أشتكي وماذا أقول، لا أحد يسمع، ومن يسمع لا يساعد، ومن يساعد لا يعطي جزءا يسيرا من حاجاتنا".

تركتنا قبل أن تُكمل حديثها معنا ودموعها تختبئ في عينيها، وكأنها تقول لنا: أنتم كغيركم ستتركوننا لقدرنا ولن تقدموا لنا شيئا يساعدنا على مواجهة مصيرنا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة