الحاج رضوان.. يعشق الأرض وفلاحتها   
السبت 4/10/1434 هـ - الموافق 10/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:26 (مكة المكرمة)، 11:26 (غرينتش)
الحاج رضوان داخل مزرعته (الجزيرة)
وديع عواودة-كفركنا
 
 
الحاج رضوان سعيد أبو يوسف (90 عاما) من قرية كفركنا داخل أراضي الـ48 مزارع مخضرم، مشواره الحميم مع الأشجار عمره ستة عقود وأقربها لقلبه الزيتون والتين والرمان.
 
وإذا كان يوم الأرض بالنسبة للفلسطينيين ذكرى وطنية عزيزة تحل مرة كل عام، فإنها لدى الحاج رضوان قصة عشق تبدأ كل يوم مع خيوط الشمس الأولى.

قبل فبراير/شباط الماضي احتفل أبناء وأحفاد الحاج رضوان بعيد ميلاده التسعين، لكنه ما لبث أن سارع للعودة إلى مزرعته.
 
داخل دفيئاته الزراعية يقضي أبو يوسف أمتع أوقاته ويحتفل كل يوم بميلاد غرسة زيتون جديدة.
 
ومسيرة أبو يوسف مع الأرض الممتدة على ثلثي عمره قصة حب لم تطفئها الشيخوخة أو الرتابة، وقد بدأت في مثل هذه الأيام قبل ستين عاما.
الحاج رضوان يعتز بمساهمته في انتشار كروم الزيتون وتعمير الأرض البور (الجزيرة)

غرس الزيتون
بعد نكبة 1948 عمل الحاج رضوان في أماكن شتى لإعالة أسرته المكونة من 14 فردا، حتى استقر به المقام عام 1953 بزراعة الكروم وتربية الأشتال.

بذاكرته الفذة يستذكر أنه تعلم مع بعض أصدقائه في مدينة صفد كيف ينبتون غرسة الزيتون من بذرة الثمرة البرية بسرعة.

وأحدثت هذه الطريقة انقلابا في عالم زراعة الزيتون، فقبل ذلك كان الفلاحون يضطرون للبحث عن أشجار الزيتون البرية لزرعها في بساتينهم وتثمر بعد سنوات كثيرة.

بعد ذلك بادر أبو يوسف لبناء "مشتل الرضوان" وفيه ينتج عشرات آلاف من أغراس الزيتون وسائر الأشجار سنويا.

ويؤكد باعتزاز أنه أسهم في انتشار مئات كروم الزيتون في ربوع الجليل، وتعمير مساحات واسعة من أرض البور بأكثر من نصف مليون غرسة زيتون.

طيلة الحديث معه يعمل الحاج رضوان على "أنسنة" الزيتون كأنها الأم والابنة، منبهًا لكونها شجرة مباركة ترضى بالقليل وتوفر الحياة وتعين الفلسطيني على الصمود والبقاء، بالزيت والزيتون والخشب.

الحاج رضوان الذي يتمتع بقسط واسع من الثقافة، وكان أحد مؤسسي حركة الأرض في خمسينيات القرن الماضي، يقول بود إن محمود درويش لم يبالغ حينما قال في قصيدته "لو يذكر الزيتون غارسه/لصار الزيت دمعا"، لأن الزيتون -يضيف- صديق وفي للإنسان.

موسم القطاف
ويشكل الزيتون وزيته عنصرا دائما في طعام أبي يوسف كل يوم، لكنه يقول إن تربية أشجارها لا تقل متعة عن تناول أثمارها.

موضحا أنه يعامل الشتلات معاملة بناته، ويتابع وشارات السرور ترتسم على محياه: "أدخل المشتل في الصباح أخاطبها بالسلام عليكم، وأكاد أسمعها ترد بتحية أحسن منها حينما أطفئ عطشها يوميا، ويملؤني القلق حينما أتأخر عن سقايتها".

ويبقى يعامل شجرة الزيتون برفق، فينهى عن ضربها بالهراوات عند القطاف لأن ذلك "يوجعني كأنني أنا الذي أتعرض للعصي".

يعامل الحاج رضوان الشتلات معاملة بناته، ويقول: أدخل المشتل في الصباح أخاطبها بالسلام عليكم، وأكاد أسمعها ترد بتحية أحسن منها حينما أطفئ عطشها يوميا، ويملؤني القلق حينما أتأخر عن سقايتها

بالطبع تبلغ سعادته ذروتها مع حلول القطاف في الخريف، يبتهج لرؤية كروم الجليل مثمرة ويتغزل بها بكتابة الأشعار.

التقينا الحاج رضوان عدة مرات ولاحظنا أنه يواظب خلال عمله على سماع الفنانة الراحلة أم كلثوم عند الظهيرة.

عن ذلك يقول إن مهنة زراعة الأغراس والأشجار مهنة شريفة توفر العيش الكريم والسكينة النفسية، وتملأ قلبه بالسعادة لدرجة أنها تبعث به النشوة والطرب. ويتابع مبتسما "داخل المزرعة يزداد حبي لكوكب الشرق، أحب الأصوات على قلبي".

وتخطفه أم كلثوم لمصر فيقول -مستغربا انتشار الفقر فيها- إنه لو كان مصريا لملأ أراضيها بمزارع الجوافة والمانجو وسائر الأشجار مستفيدا من مياه النيل.

ويحل التين بالمنزلة الثانية لديه، فهي شجرة مطيعة ترد الجميل وتقدم أولى ثمارها (الدافور) بعد عام من زراعتها، وفي العام الرابع تؤتي أكلها ثمرا ناضجا بما لا يحصى من الصنوف. ويلي التين الرمان، معتبرا أن المليسي ملك الرمان من ناحية المذاق والفوائد الغذائية والصحية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة