الناتو.. هل يضعف الأمم المتحدة ويسخر الجيوش العربية؟   
الثلاثاء 1428/8/1 هـ - الموافق 14/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 2:57 (مكة المكرمة)، 23:57 (غرينتش)
 

قبل سنوات قليلة من "الصدمة والرعب" التي أحدثتها القاعدة للولايات المتحدة حينما ضربتها في عقر دارها يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001، كان حلف شمال الأطلسي (الناتو) يسير على مهل نحو تغيير إستراتيجيته الدفاعية والأمنية لتتماشى مع ما أُعلن عن تسميته آنذاك بعصر ما بعد الحرب الباردة.
 
لكن بعد أحداث سبتمر/أيلول لم يعد في التأني "السلامة" -كما يقول المثل العربي- وإنما أصبح في عرف الناتو "تقاعسا غير مقبول" فكان التغيير الكبير.
 
الناتو يغير مفهومه للأمن
الناتو منظمة هدفت حين قيامها عام 1949 إلى إقامة تحالف دفاعي وأمني بين الدول الأوروبية المشتركة فيه من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى.
 
كانت معايير هذه المنظمة في تقدير التهديد الأمني المحتمل من "الدول الأعداء" تعتمد على مفاهيم "كمية إحصائية"، من قبيل أعداد الطائرات والغواصات والدبابات والصواريخ وما إلى ذلك. واستمر الحال على هذا المنوال نحو خمسين عاما، إلى أن فوجئت أن أمن الدول الأعضاء عموما وأقوى دولة عضو خصوصا قد أضحى بين عشية وضحاها من "ورق"، وأن كل هذا العتاد الحربي هو بالنسبة إلى من قاموا بهجمات سبتمبر مجرد "خيال مآته" لم يُخفهم ولم يمنعهم من إصابة أهدافهم.
 
فقرر الناتو منذ تلك اللحظة تغيير ما سماه "العقيدة الأمنية والدفاعية للفضاء الأميركي والأوروبي بأكمله"، وقرر كذلك ولأول مرة في تاريخه تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الدفاع المشترك التي تنص على تقديم الدعم العملي السياسي والأمني للدولة العضو التي تتعرض لتهديد أو هجوم.  
 
وامتدت حدود الفضاء الأميركي الأوروبي وفقا لعقيدة الناتو الجديدة لتشمل دول العالم بأجمعه، واعتبروا أن أي "تهديد" ولو محتمل "يرونه ويقدرونه بأنفسهم" لأمن بلدانهم من أي دولة أو "جماعة" مبرر لاتخاذ خطوات قد تصل إلى شن عمليات عسكرية لإجهاضه قبل حدوثه.
 
شرطي العالم الجديد
أما الغطاء القانوني والشرعي لهذه العمليات التي لا يملكون "اليقين" بأن أحدا من المدنيين لن يسقط جراءها، وبأن أسلحتهم "الذكية" ستطال فقط من يختارونه، فهذه كلها بالنسبة لهم أمور غير معقدة ويسهل التعامل معها، حيث أن الأمم المتحدة لن تبخل عليهم "بتفويض قانوني" يمنحهم "الشرعية الدولية" لتنفيذ ما يريدون. وقد كان.
 
فبأسماء وعبارات "رشيقة وجذابة" راح الحلف يشكل فرقا ومجموعات عسكرية للتدخل السريع في أنحاء متفرقة من العالم، قوة حفظ الاستقرار "إسفور" في البوسنة، قوة حفظ السلام في كوسوفا "كيفور"، القوة الدولية للمساعدة على الاستقرار في أفغانستان "إيساف".
 
وفي كل هذه المهمات، وعلى اختلاف هذه الأماكن لا تعرف حتى الآن آلية متفق عليها دوليا، تتميز بالشفافية والنزاهة، لمحاسبة الجنود التابعين للناتو، سواء إذا أخطؤوا على المستوى العسكري فقتلوا مدنيين، أو على المستوى الخلقي فارتكبوا في الأماكن التي يعملون فيها جرائم مخلة بالشرف.
 
اختراق الجيوش العربية
منذر سليمان (الجزيرة)
وجد الناتو نفسه بحاجة إلى دعم لوجستي وأمني واستخباراتي من بلدان يظن أنها داخلة في نطاق "حزام الإرهاب"، وقد حددها بالبلدان العربية والإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز، فعقد مع هذه الدول أشكالا مختلفة من المعاهدات والاتفاقات الأمنية.
 
هي كلها وكما يصفها للجزيرة نت الباحث والمحلل في شؤون الأمن القومي الدكتور منذر سليمان "اختراقات لجيوش هذه الدول من أجل استعمالها كأذرع عسكرية أميركية محلية وإقليمية".
 
لأن الدول العربية والإسلامية -والكلام لا يزال لسليمان- ليسوا "شركاء" للناتو يستحقون في نظره أن يقيم معها "شراكة" وإنما هم "أجراء"، حيث لا يوجد بالنسبة له في المنطقة من شريك سوى إسرائيل.
 
ويبرهن منذر سليمان على حكمه السابق بالقول "إذا كانت دول الخليج -على سبيل المثال- تربطها بالولايات المتحدة وبحلف الناتو اتفاقات أمنية ومعاهدات للدفاع المشترك، فلماذا أجبرت واشنطن هذه الدول على شراء أسلحة بمليارات الدولارات لتحقق لها أمنا هو ومن الأساس وبحكم المعاهدات والاتفاقات الأمنية منوط بواشنطن توفيره دون الحاجة لكل هذه الأسلحة؟".
 
ويخلص إلى القول إن المجمع العسكري الأميركي المتحكم في صناعة القرار والمتحكم في الناتو من خلف ستار دولة الولايات المتحدة يعمل على إشعال حرب كبيرة في المنطقة العربية كل عشر سنوات لاستنزاف خيراتها وامتصاص أي تراكم مالي يمكن أن يتوفر جراء ارتفاع أسعار البترول أو أي تقدم تنموي.
 
معادلة الناتو والأمم المتحدة
عبد الله الأشعل (الجزيرة)
لكن مهما كان الرأي في أجندة الناتو وتأثيرها في العالم العربي والإسلامي، فإن سؤالا لا يزال مفتوحا ومن غير الجائز القفز عليه: هل علاقة الناتو بالأمم المتحدة إضافة لها أم خصم من رصيدها؟ بمعنى آخر، هل قيام الناتو بالدور الذي كان من المفترض أن تقوم به الأمم المتحدة في حفظ الأمن والسلم الدوليين يضعف من دورها ومكانتها أم أنه يساعدها على القيام بدور أعجزتها الإمكانيات عن القيام به؟
 
أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل يجيب للجزيرة نت عن هذا السؤال بمعادلة يترك للمراقب تطبيقها، الطرف الأول من المعادلة هو نبل الأهداف الأميركية، والطرف الثاني هو دعم الأمم المتحدة.
 
ولمزيد من الشرح يقول "إن أمر إضعاف الناتو للأمم المتحدة أو دعمها يتوقف على نبل الأهداف الأميركية التي تستخدم الناتو لتحقيقها، فإن كانت هذه الأهداف وتلك السياسات نبيلة كان تحرك الناتو مفيدا للأمم المتحدة، والعكس صحيح، إن فسدت الأهداف الأميركية فسد الناتو وضعفت الأمم المتحدة وتراجعت مكانتها وضاع دورها في حفظ الأمن والسلم في العالم".
_______________ 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة