عبد القادر الجزائري .. الليلة الأخيرة   
السبت 21/10/1433 هـ - الموافق 8/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:42 (مكة المكرمة)، 8:42 (غرينتش)
غلاف كتاب "ليلة الأمير الأخيرة" لعبد القادر جمعي (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
يصعب إحصاء الكتب والدراسات التي وضعت حول حياة الأمير عبد القادر الجزائري (1808- 1883م)، ومع ذلك ما زالت شخصيته الفريدة وأفعاله مصدر وحي لكتاب عرب وأجانب كثر، آخرهم الروائي الجزائري الفرنكفوني عبد القادر جمعي، الذي خط نصا جميلا تحت عنوان "ليلة الأمير الأخيرة" صدر حديثا لدار نشر "سوي" الباريسية.

النص ليس رواية بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإن لجأ جمعي فيه إلى السرد الروائي المصبوغ بشعرية عالية، ولا هو بحث علمي، وإن ارتكز على معطيات تاريخية ومراجع علمية غزيرة يذكرها الكاتب في نهاية الكتاب. إنه مقاربة سردية فريدة تقع بين واقع وخيال، وغايتها ولوج شخصية الأمير عبد القادر وفهم طبيعتها الفذة.

وكما يشير إليه العنوان، يشكل هذا النص أولا محاولة جريئة ومثيرة لإدراك المشاعر التي تملكت الأمير في ليلته الأخيرة في وطنه قبل أن ينفى إلى فرنسا ثم إلى سوريا. لكن جمعي لا يتوقف عند هذا الحد فيه، بل نجده يستخدم هذه الليلة المريرة من حياة الأمير ذريعة أو حاملا للعودة إلى الوراء أو السير إلى الأمام ومقاربة أبرز محطات حياته الغنية بالفصول والإنجازات.

وفي هذا السياق، يستحضر، على طريقة التذكر ودون أي احترام للتسلسل التاريخي للأحداث، سفر الأمير عام ١٨٢٧ برفقة والده إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة للحج وإلى القدس والقاهرة والإسكندرية ودمشق وبغداد، وحفلة المبايعة وقيادة الجهاد عام ١٨٣٢م.

وفي هذا النص نقرأ أيضا صفحات جميلة يرصدها جمعي لثقافة الأمير عبد القادر الواسعة ويتحدث فيها عن مكتبته الضخمة، التي ضمت مئات المخطوطات

قيم وإنجازات
كما يتناول جمعي الفظائع التي ارتكبها الجيش الفرنسي منذ وصوله إلى الجزائر عام ١٨٣٠، وعلى رأسها تدمير مدينة الزمالة النقالة أثناء غياب الأمير عنها عام ١٨٤٣، والمعارك الكثيرة التي قادها هذا الأخير على مدى ١٥ عاما ضد هذا الجيش، وتجلت فيها شجاعته وإستراتيجيته الحربية التي تعكس عبقرية قتالية كبيرة ارتكزت على الحركة والسرعة ونصب الكمائن وامتدحها جميع الجنرالات الفرنسيين الذين واجهوه، وعلى رأسهم القائد بيجو.

ولأن الأمير عبد القادر لم يكن فقط قائدا عسكريا موهوبا فحسب، بل إنسانا بقي وفيا لمبادئه وقيمه كمؤمن، حتى في مواجهته للمستعمر، يتوقف جمعي أيضا عند معاملته الإنسانية للجنود الفرنسيين الذي وقعوا أسرى في يده، مذكرا بالرسالة التي وجهها عام ١٩٣٨ إلى المطران دوبوش وطلب منه فيها إرسال كاهن إلى معسكره للصلاة مع السجناء وكتابة رسائل تطمين لأهاليهم وتلبية حاجاتهم الروحية والمادية.

ولا ينسى جمعي الإنجازات المدنية المهمة للأمير عبد القادر وجهوده الدؤوبة لتحديث إمارته، كتشييده العاصمة الصحراوية تكدمت عام ١٨٣٦ التي سيدمرها الفرنسيون عام ١٨٤١ ومد إمارته بنظامٍ إداري وقضائي قوي وصكه عملة "المحمدية" ووضعه مشروع تأسيس جامعة على طراز جامعة "الزيتونة" في تونس وجامعة "القرويين" في فاس، وإقامته علاقات دبلوماسية مع إنجلترا والولايات المتحدة.

وفي هذا النص نقرأ أيضا صفحات جميلة يرصدها جمعي لثقافة الأمير عبد القادر الواسعة ويتحدث فيها عن مكتبته الضخمة، التي ضمت مئات المخطوطات وتجاور فيها المفكرون العرب والمسلمون الكبار، مثل ابن سينا والغزالي وابن طفيل وابن رشد، مع أفلاطون وأرسطو وفيثاغورث.

كما يتحدث عن تعمق الأمير بالفكر الصوفي والعلوم الإسلامية وعلم الفلك والجغرافيا وعن تشجيعه ترجمة الأعمال الأدبية والفكرية وتعلم اللغات الأجنبية واهتمامه بالتقدم في جميع أشكاله، دون إهمال القصائد التي ألفها والكتب التي وضعها، مثل "كتاب المواقف" الذي يتضمن التعاليم التي درسها على مدى ربع قرن في مسجد الأمويين بدمشق. وتعكس هذه النصوص بحثه الصوفي الذي يشكل خير امتداد لفكر المتصوف الأندلسي الكبير ابن عربي.

أكثر ما يشدنا في نص جمعي هو الصفحات التي خصصها لإظهار انفتاح الأمير على الآخر وإبراز دعوته الثابتة إلى حوار الأديان وإلى التعايش السلمي بين الشعوب

الحوار والتعايش
لكن أكثر ما يشدنا في نص جمعي هو الصفحات التي خصصها لإظهار انفتاح الأمير على الآخر وإبراز دعوته الثابتة إلى حوار الأديان وإلى التعايش السلمي بين الشعوب، متوقفا عند بعض أفعاله النبيلة، كقيامه عام ١٨٦٠ بإنقاذ مئات المسحيين الشرقيين أثناء المذابح التي تعرضوا لها على يد الدروز في دمشق وجبل لبنان.

وهذا السلوك حياه معظم أباطرة أوروبا وأمراؤها والبابا بيوس التاسع والسلطات الفرنسية نفسها، التي منحته "الصليب الأكبر لوسام جوقة الشرف" وصكت ميدالية حفر عليها "الأمير عبد القادر، جوغورتا حديث، استطاع هزم إحدى أقوى دول المعمورة. فرنسا التي حاربها تحبه وتبجله".

ولتفسير سلوك الأمير تجاه مسيحيي دمشق، يستحضر جمعي رده على رسالة المطران بافي الذي عبر له فيها عن امتنانه وإعجابه به "لقد وصلتني رسالتك البليغة. الخير الذي فعلناه مع المسيحيين كان من واجبنا القيام به وفاء لإيماننا المسلم واحتراما لحقوق البشرية. جميع الكائنات هي من عائلة الله. (…) جميع الديانات التي أتى بها الأنبياء، منذ آدم وحتى محمد، ترتكز على مبدأين: تمجيد الله العلي والرأفة بمخلوقاته. وخارج هذين المبدأين لا توجد سوى تفرعات لا قيمة للتباينات حولها".

يبقى مصدر غنى أخير لنص جمعي يكمن في تضمنه جزءا مهما من الإطراءات التي حصدها الأمير عبد القادر من كبار الكتاب والمثقفين الفرنسيين، كالقصيدة التي كتبها حوله كل من الشاعرين أرثور رامبو وفيكتور هوغو، ولكن أيضا التصريحات الإيجابية تجاهه، التي أدلى بها جنرالات فرنسا الذين حاربوه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة