السقوط يهدد آخر مئذنة تركية بليبيا   
السبت 2/2/1434 هـ - الموافق 15/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:17 (مكة المكرمة)، 12:17 (غرينتش)
مئذنة مسجد عصمان التاريخية وسط بنغازي (الجزيرة نت)
 
خالد المهير-بنغازي

يعد مسجد عصمان ذو الطراز العثماني التركي في وسط مدينة بنغازي (شرق ليبيا) من أهم مساجد المدينة، إلا أنه يعاني حاليا من التشقق والتصدع وهو آيل إلى السقوط في أي لحظة.

ويرجع بناء المسجد إلى الفترة العثمانية الثانية، فقد بناه الوالي التركي رشيد باشا بين عامي 1882 و1885، وكان قبل ذلك غرفة صغيرة ترجع إلى عهد الأسرة القرمانلية عام 1740 واتخذها السكان مسجدا أطلقوا عليه جامع بوقلاز، وعمره منذ تأسيسه في عهده الأول وحتى الآن 272 عاما.

والمسجد مستلهم من الطراز العثماني ذي القبة المركزية والذي دخل لأول مرة على العمارة الليبية من خلاله، بحسب مصادر الآثار.

فقد كانت المساجد الليبية السابقة ذات أسقف مسطحة، ولها عدد كبير من القباب الصغيرة. أما القبة الكبيرة وبجانبها قباب جانبية وأنصاف قباب فقد تميزت بها العمارة التركية، ولم تدخل ليبيا إلا عبر مسجد عصمان.

مساحات متقاطعة
ويعتبر الباحث في الآثار الإسلامية جمعة كشبور المسجد نقلة نوعية في عمارة المساجد بليبيا، وطالب في حديثه للجزيرة نت بالتحرك السريع للمحافظة عليه.

قبر رشيد باشا قبل نبشه (الجزيرة نت-أرشيف)

ويتميز المسجد بمحرابه العميق النادر في مساجد بنغازي، ويمتاز بدعائم أربعة كبرى في وسطه تحمل قبته الأساسية وتقسمها إلى مساحات متقاطعة، ويقول كشبور إنها تعكس قيمة المسجد الأثرية والتاريخية، مؤكدا أن تركيا جلبت له مهندسين وفنانين للإشراف على بنائه.

وارتبط تهشيم لحق بالمسجد في يوم الاحتلال الإيطالي لليبيا يوم 19 أكتوبر/تشرين الثاني 1911، إذ استهدفه الأسطول الإيطالي حينما كان المؤذن يدعو الليبيين إلى الجهاد، وأصابت إحدى القذائف المئذنة لإسكات صوت المنادي، لكن كشبور يقول إن إيطاليا رممت جزءا من المئذنة دون إرجاع شكلها السابق، مؤكدا أن الجزء العثماني غير المرمم لا خطورة عليه.

ويؤكد كشبور أن المسجد في وضع لا يحسد عليه، وهو مهدد بالانهيار أكثر من أي وقت آخر ما لم تتحرك الجهات المعنية لصيانته، وأشاد بحملة تبرعات تجري حاليا لترميمه، موجها انتقادات لاذعة إلى ما وصفه بتجاهل وزارات الأوقاف والآثار له.

زينة وزخرفة
ويشير رئيس تحرير صحيفة "آفاق أثرية" خالد الهدار إلى إشكالية ازدواجية تبعية مثل هذه المباني التاريخية للآثار ومصلحة المدن القديمة والأوقاف، "مما يؤدي إلى صيانتها بشكل غير مدروس".

ويقترح الهدار -وهو رئيس سابق لقسم الآثار بجامعة بنغازي- في حديثه للجزيرة نت، سن قوانين خاصة بالمساجد التاريخية بحيث تشرف عليها الأوقاف من الناحية الدينية، بينما يسند إلى مصلحة الآثار صيانة المبنى الدورية والإشراف عليها.

وقال إن جامع عصمان في وضعية صعبة ويحتاج إلى أعمال ترميم بشرط إشراف مصلحة الآثار عليها، وأكد على أهمية ترميم الجامع وإعادته إلى حالته التي كان عليها، بما يضمن المحافظة على شكله المعماري وعناصره التاريخية "التي لا يجب المساس بها".

واعتبر الهدار أن ما يجب القيام به ليس زخرفة المسجد باستخدام الزخارف الحديثة، وإنما إعادته إلى ما كان عليه قديما.

وبينما نبه عضو هيئة التدريس بقسم الآثار الإسلامية في جامعة بنغازي مصطفى البركي من خطورة إهمال المسجد، كشف عضو جمعية حماية الآثار عبد الحفيظ المسلاتي عن نبش قبر الوالي رشيد باشا الذي بنى المسجد وكان يحكم بنغازي في العهد الثعماني ودفن بها عام 1931.

لكنه أضاف أنهم تمكنوا من الحفاظ على الشواهد القديمة للقبر والتي قال إن القنصل التركي في بنغازي حاول إرجاعها إلى بلاده، معتبرا ما جرى انتهاكا لا يقل خطورة عن الإهمال والتسيب والمخاطر المحدقة بالأثر.

وسألت الجزيرة نت رئيس مراقبة آثار بنغازي محمد الشلماني عن وعود تركية لصيانة الآثار العثمانية في ليبيا، فقال إنهم ما زالوا في انتظار تنفيذ هذه الوعود.

وذكر أنه أجرى اتصالات مع القنصلية التركية في بنغازي لإبلاغهم بالوضعية الحالي للمسجد ومدى الحاجة إلى سرعة صيانته على الطراز القديم، لكنه قال إنه أبلغ الجهات المتبرعة لصيانته بالبدء في أعمال الصيانة تحت إشراف متخصصين ليبيين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة