مقبرة الشيخ شعبان.. حياة بطعم الموت   
الاثنين 1437/6/5 هـ - الموافق 14/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 5:24 (مكة المكرمة)، 2:24 (غرينتش)

أحمد عبد العال- غزة

لا يشبه منزل الفلسطيني جبر كحيل سوى القبور المحيطة به، فحجرته الوحيدة المتهالكة تنخفض جدرانها ثلاثة أمتار تحت الأرض ولا يظهر منها سوى سقفها الصفيحي الصدئ، وإلى جانبها رواق ضيق يزدحم فيه خزان مياه وبعض الخردة وأطفال يلهون بالرمال، ومن حولهم تتناثر حشرات وقوارض.

وقبل الوصول إلى منزل كحيل يحتاج الزائر عبور مقبرة "الشيخ شعبان" في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، فطرفها الجنوبي يتصل بمنحدر طيني ضيق ينتهي إلى بوابة البيت أو "الخرابة" كما يفضل أن يسميه ساكنوه.

ويخلو منزل كحيل تماما من مقومات الحياة الآدمية، فلا يتوفر فيه شبكة للمياه أو الصرف الصحي، وحمامه عبارة عن زقاق معتم جدرانه متعفنة أغلق بابه بقطع قماش بالية. كما لا يتعدى مفهوم المطبخ لدى أسرة كحيل سوى غرفة لا تتسع لشخصين معا تتناثر فيها أوعية بلاستيكية ومعدنية قديمة.

 كحيل يحمل بيده تقريرا طبيا ولا يملك تكاليف علاجه أو إطعام أطفاله (الجزيرة)

ولا تحتاج زوجة الفلسطيني كحيل إلى أن ترهق نفسها في تنظيف الأثاث أو توضيب غرفة النوم والأغطية فهي لا تملك سوى ثلاث "فرشات" إسفنجية بالية ووسائد أغطية مهترئة بعدد أفراد أسرتها تُعَرِضُها صباحا لأشعة الشمس وتعيدها ليلا لغرفتها الوحيدة.

استعطاف
ولكن أكثر ما يرهق المرأة جمعها للحطب وإشعال النار بشكل شبه يومي لطهي ما يوفره زوجها من طعام بسيط مثل العدس والفاصولياء والفول أو بعض الخضروات الزهيدة الثمن، وإن توفر لمنزلها غاز الطهي اليوم فلن يكون متوفرا في أي يوم آخر.

وعلى بعد خطوات خارج منزل كحيل البدائي يجد أطفاله من القبور مكانا للدراسة وتناول الطعام واللعب مع قطط وكلاب لا تغادر المكان.

ويترقب الأطفال قدوم الزوار إلى المقبرة ليستعطفوهم ويحصلوا على مبلغ زهيد يشتروا به بعض قطع الحلوى، ومن يحالفه الحظ منهم يطلب بعض الأهالي منه مساعدتهم في بناء أو حفر قبر فيحصل على مبلغ أكبر.

وما يزيد من قسوة ظروف العائلة الفقيرة عدم قدرة معيلها على العمل، فهو بحسب ما روى للجزيرة نت مصاب بكسور في الجمجمة إثر حادث سير قديم وطعنة سابقة في بطنه بقضيب معدني، إضافة إلى معاناته من صعوبة في التنفس بشكل طبيعي يصاحبها دوار شديد بسبب وجود اعوجاج وتشوه حاد بعظام الأنف.

ولا يملك كحيل سوى البحث بين أكوام النفايات ليسد رمق أطفاله الجوعى، وإن تمكن من توفير الطعام فإنه يعجز عن تلبية بقية احتياجات المنزل خاصة بعد أن تراكمت عليه ديون لأصحاب البقالات المجاورة تصل قيمتها إلى نحو 2700 شيكل (700 دولار).

 مريم تطعم أبناءها بعض العدس المسلوق لعله يسد رمقهم (الجزيرة)

 حلم
ويقتصر حلم أفراد أسرة كحيل على الحصول على منزل تتوفر فيه مقومات الحياة البشرية ولا تتجاوز مساحته الخمسين مترا، بعيدا عن المقبرة التي يخشون أن يمضوا بقية حياتهم فيها قبل أن يدفنوا في قبورها.

وبينما يروي رب الأسرة معاناته للجزيرة نت كانت زوجته مريم تحاول منع طفلتها الرضيعة (8 أشهر) من تناول ما تجده ملقى على أرض المقبرة.

وتعجز الأم نحيلة الالقوام عن تلبية حاجة طفلتيها التوأم (8 أشهر) من الرضاعة الطبيعية بسبب عدم تناولها لكميات كافية من الطعام، كما لا تجد المال الكافي لشراء الحليب، فتضطر لإطعامهم بعض العدس المسلوق لعله يسد رمقهم.

تلك الحياة البدائية التي تعيشها أسرة كحيل، يشاركها فيها أكثر من 25 عائلة -معظم أفرادها من الأطفال والنساء- تسكن في غرف مغطاة بالصفيح ومتهالكة موزعة داخل المقبرة التي تمتد لعدة دونمات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة