المصريون يسخرون من واقعهم بالغناء   
الاثنين 1435/1/29 هـ - الموافق 2/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:07 (مكة المكرمة)، 10:07 (غرينتش)
أحمد القويسني أحد أعضاء فرقة "لايك جيلي" يؤدي أحد الأغاني (دويتشه فيلله)
 
تعوّد المصريون أن يقهروا الواقع الاجتماعي بالضحك ويقفزوا فوق الواقع السياسي بالنكات والأغاني الساخرة، التي تنتقد الأوضاع السائدة وتتهكم على الحكام وحاشيتهم وفسادهم، وفي الآونة الأخيرة ظهرت فرق موسيقية عدة استعانت بالغناء والموسيقى للسخرية من الواقع المصري الراهن.

وكان الراحل سيد درويش أول من أدى الأغنية الساخرة خاصة من كلمات بيرم التونسي وبديع خيري، وقدم الثنائي الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم أشهر الأغاني الساخرة المغرقة في الهم السياسي والاجتماعي.
 
وعاد هذا النمط من الأغاني بقوة بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 مع مناخ الحرية السائد لتظهر طوال السنتين الماضيتين أغان لم تستثن أحدا من الرؤساء أو المسؤولين والظواهر الاجتماعية والسياسية المختلفة وذلك بأسلوب شبابي ولغة جديدة.
 
ومن أبرز المجموعات الساخرة فرقة "لايك جيلي" التي اشتهرت بعد مشاركتها في إحدى حلقات البرنامج الساخر "البرنامج" الذي كان يقدمه الإعلامي باسم يوسف في إحدى القنوات التلفزيونية المصرية قبل توقفه مؤخرا.
 
بدأ أعضاء فريق "لايك جيلي" رحلتهم الفنية كطلبة هواة. وأول عمل لهم أغنية تحدثت عن معاناة حمار يجر عربة في شوارع القاهرة، تلتها بعد ذلك سلسلة من الأغاني شملت مفردات جديدة تنتقد واقع الحياة اليومية للمصريين.
 
ويقول يوسف عطوان، أحد أعضاء "لايك جيلي"، لدويتشه فيلله إنهم يعتمدون على السرد في كثير من أغانيهم، فهم يتطرقون إلى مواقف حقيقية عايشوها في حياتهم الشخصية أو عايشها مقربون لهم، وهي ترمز في الغالب إلى المواقف اليومية التي يواجهها الشباب المصري.
 
يوسف عطوان: الهدف الرئيسي لما تقدمه الفرقة هو التسلية وغناء الواقع (دويتشه فيلله)
غناء الواقع
وكمثال على ذلك، أشار عطوان إلى أغنية "مينا" التي تتطرق إلى ما تعرض له شاب أثناء مروره بأحد كمائن الشرطة، وهو في طريقه لقضاء إجازة. ويقول عطوان إن الأغنية انتقدت بشكل ساخر ومضحك عملية التفتيش "المهينة" التي تعرض لها هذا الشاب، وذلك بإظهار عكس الحقيقة عبر الترحيب المبالغ فيه من قبل رجال الأمن لدرجة أنهم شاركوا "مينا" في الاستمتاع بإجازته، بل قدموا له الخمر أيضا.
 
ويستدرك عطوان "نحن نقدم أسلوبا حكائيا مسليا في الأغاني وهذا يكفينا كفرقة موسيقية، أما إذا خرج الجمهور بأكثر من التسلية والابتسامة ووصلته رسالة ما، فإن ذلك سيكون بالطبع أفضل، لكن هدفنا الرئيسي هو التسلية وغناء الواقع".

أما زميله محمد القويسني العضو بالفرقة الموسيقية ذاتها، فقد أشار إلى أن الفرقة تقدم عبر الموسيقى حالات واقعية، وهي لا تتضمن "كلمات أو قصصا مصطنعة"، وإنما تغني "ما يحدث في الواقع المصري المليء بالأحداث خاصة السياسية منها. ولهذا غنينا "نفسي في ليبرالي" التي استعملنا فيها مصطلحات ما بعد الثورة مثل ليبرالي واشتراكي وإخواني، مع العلم أنه بعد ثورة يناير تشكلت لدى المصريين صور نمطية عن هذه المصطلحات ومن ينتمون إليها".

وردا عن الانتقادات الموجهة إلى أعضاء الفرقة باستخدام كلمات غير مألوفة أو حتى مصطلحات وصفت بـ"غير الأخلاقية" في أعمالهم الغنائية، أشار كل من عطوان والقويسني إلى أنها كلمات تستخدم في الحياة اليومية، "فلماذا لا تكون موجودة في الأغاني وعلى المسرح طالما أنها تستخدم من قبل الشباب، والجمهور يتقبلها. (...) نحن غنينا قصة "دودة" وجعلنا منها بطلة تتفاعل مع الأحداث السياسية والاجتماعية، كما غنينا عن الحمار، فلماذا نضع حدودا للكلمات؟".

هاني شنودة: الأغاني الساخرة تستلهم مادتها من الأحداث السياسية وتلقى نجاحا لدى الجمهور (دويتشه فيلله)

جيل جديد
الأغنية كفضاء للسخرية وانتقاد الأمراض المجتمعية السائدة، ظاهرة عرفها المجتمع المصري منذ القدم. وقد تركت فرقة "المصريين" الغنائية التي نشأت عام 1977 بصماتها في هذا المجال، كما قال مؤسسها هاني شنودة، مضيفا أنها "عالجت مشاكل مجتمعية عدة مثل قسوة الآباء على الأبناء وسيطرة الرجال على النساء، إلى جانب انتقادها لقانون الخلع قبل سنوات".
 
وإن كانت هذه الأغاني قد لاقت نجاحا جماهيريا كبيرا، فإنها "حوربت" من قبل أجهزة الدولة التي كانت لا تريد لها أن تخرج عن سياق الحب، حسب شنودة، الذي يتابع "بالطبع أثرت تلك الأغاني على المجتمع بدليل المبيعات التي حققتها، لكونها حاولت تقديم إجابات عن مشكلات كثيرة مثل أغنية "ما تفتكروش يا بنات إن الجواز راحة" التي قدمت تصورا عن مشاكل الزواج في ذلك الوقت". 

وعن الفرق الشبابية التي ظهرت على الساحة على غرار "لايك جيلي"، يقول الموسيقار هاني شنودة إن أعمالها لا تدخل في إطار الأغاني التجارية التي تعرف على أنها عمل فني متكامل الأركان لا يشمل الجانب الفني من كلمات وموسيقى وأعداء فحسب، وإنما أيضا ما تدره من عائدات على المنتج.

ولأنها عروض تقع بين الدراما والكوميديا وتستلهم مادتها من الأحداث السياسية، فإن الفرق الموسيقية بحاجة باستمرار إلى نصوص متجددة وصالحة لكل وقت، كما يقول الموسيقار. ورفض الأخير استخدام المصطلحات التي قد تكون "غير أخلاقية" بدعوى أن تلك الأغاني "تدخل البيوت فما لا يجب أن يقال أمام الآباء أو الأبناء لا نستطيع وضعه في أغنية".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة