طموح القراء الجدد   
الثلاثاء 1436/10/26 هـ - الموافق 11/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 18:46 (مكة المكرمة)، 15:46 (غرينتش)

أمير تاج السر

في رسالة رقيقة تلقيتها مؤخرا، تقول فتاة في الثامنة عشرة، من السودان، إنها عشقت القراءة منذ كانت في العاشرة، وتقدمت فيها بتقدم العمر والمراحل الدراسية، وتستطيع الآن أن تقرأ كل شيء، بنفس المتعة التي اكتشفت بها عالم القراءة، وتسعى لإقامة مكتبات في الشارع، خاصة في الأماكن التي بها مقاهٍ، وأماكن ترفيه، تضم كتبا متنوعة، يطالعها العابرون، وربما تنجح الفكرة، وتتوسع مستقبلا.

قبل ذلك راسلني طالب من مصر، يدرس في المرحلة الثانوية، ليخبرني بأنه يقرأ بمتعة، وسرعة، وقرأ في الرواية لكتاب كثيرين، منهم ماركيز، وطاهر بن جلون، ونجيب محفوظ، وغيرهم، وأيضا قرأ في الفكر، والفلسفة، وخصص لنفسه وقتا للدروس ووقتا للقراءة المعرفية، ويحلم بإقامة مكتبات في الشواطئ، حيث يستطيع الناس أن يقسموا وقت الصيف بين الترفيه، وبين القراءة الجادة.

حقيقة تفرحني مثل هذه الرسائل الشابة، في زمن اختل فيه كل شيء، وما عادت للمعرفة الجادة أي وجه تظهر به وسط المعارف الكاذبة، والمضيعة للوقت، مثل سياحة الإنترنت، ومواقع الدردشة والتواصل، التي لم تترك حيا، يستطيع أن ينقر بأصابعه على جهاز حاسوب، ولدرجة أن هناك صبية دون العاشرة يملكون حسابات في تويتر، ويكتبون تغريدات مثلها مثل أي تغريدات أخرى، وربما يجمعون ما كتبوه، في كتب تحمل عناوين: أفضل التغريدات، أو غرد في الحب، أو لنغرد من أجل عينيها، هكذا.

إنها ظاهرة جيدة، أن يصحبك الكتاب في كل مكان، أن يحاصرك حتى لو لم تكن متفرغا لمطالعته، وبالتالي، قطعا ستلتقط شيئا من المعرفة

قلت إن هذه الرسائل تفرحني وتطمئنني بأن هناك جيلا جديدا، هو جيل أبنائنا، فيه بعض الأمل، ويمكن عن طريقه أن تستعيد القراءة القديمة مجدا أفل بشدة. ففكرة إنشاء مكتبات في الشوارع، فكرة كبيرة حقا، ومن المفترض أن تكون مشروعا تتبناه جهات تستطيع توفير الكتب، ومكان رصها في الشوارع، وأمناء يسلمونها للقراء، ويستعيدونها بعد قراءتها، وهكذا تتطور الأفكار من مجرد أحلام تداعب خيال فتاة نهمة للمعرفة، إلى مشاريع، يشارك فيها المجتمع كافة.

أيضا مشروع مكتبات الشواطئ، ليس مشروع شاب صغير طموح، ولا مشروع جماعة ناشطة في حب المعرفة، بل هو مشروع منظمة كبرى، من المفترض أن ترعاه، وترعى غيره من الأفكار الكبيرة، التي ربما لا ترد إلى أذهان الكبار، ولكن ترد إلى أذهان الصغار الملتصقين بالمعرفة.

كثيرا ما شاهدت صورا ترد من أوروبا، لمكتبات متنقلة، تجرها سيارات، أو سيارات تمت إعادة صياغة هياكلها لتصبح مكتبات، أيضا شاهدت صورا كثيرة لمحطات انتظار باصات أو قطارات، وقد رصت فيها الكتب، والمنتظرون يطالعون بنهم ريثما يصل الباص أو القطار الذي يستقلونه.

إنها ظاهرة جيدة، أن يصحبك الكتاب في كل مكان، أن يحاصرك حتى لو لم تكن متفرغا لمطالعته، وبالتالي، قطعا، ستلتقط شيئا من المعرفة. ومثل هذه الممارسات، أي المطالعة في فترة انتظار موعد ما، أو وسيلة مواصلات ما، موجودة عند بعض الأفراد في بلادنا العربية، لكنها نادرة جدا، وطوال احتكاكي بالناس في بلاد شتى، لم يصادفني إلا عدد قليل ممن تكون الكتب في أيديهم، ويستمتعون وهم ينتظرون مواعيدهم، بدلا من التأفف والإحساس بالملل ومطالعة الساعة بين حين وآخر، وأذكر منهم رجلا في نحو الخامسة والستين، كان يغشى العيادة الطبية التي أعمل فيها، وبيده رواية جديدة أو كتاب فلسفي، في كل مرة يأتي فيها. ولم يترك تلك العادة إلا بعد أن اعتل بصره بسبب مرض السكر، وكان حزينا لأنه لم يعد يستطيع الاستمتاع بانتظار دوره للدخول على الطبيب. 

الطفل الذي لا يعرف متع الحياة كلها، حين تحاصره بكتاب بوصفه أفضل متعة، سيظل وفيا لمتعته الأولى، وسيطاردها، ويستزيد منها، وهكذا

وبالمقارنة، تجد أنه حتى الصحف والمجلات الخفيفة التي توضع في بعض أماكن الانتظار، مثل عيادات الأطباء الخاصة، ودكاكين الحلاقين، وصالات البنوك، نادرا ما تلفت انتباه أحد.

لكن إذا طرحنا فكرة مكتبات الشوارع، ومكتبات الشواطئ، والمكتبات التي قد تقام في أركان المدارس، كطرح جاد، ستجد من يقول إن القراءة ضرب من الهواية، مثلها مثل كرة القدم والشطرنج، والكرة الطائرة، وإن الذي يود القراءة سيعثر على الكتب التي يريدها بأي ثمن، ومهما كان فقيرا ومشغولا، وذلك لإرضاء  هوايته، مثلما سيعثر هاوي لعب الكرة على هواة يصادقهم، ويمارس تمارينه معهم.

هذا صحيح إلى حد ما، ولكنه ليس موضوعا نهائيا، بمعنى أن لفت النظر، وإقامة حصار معرفي خاصة في السن التي تبدأ فيها الغرائز بالتكون والشخصية بالنمو، سيأتيان بنتائج جيدة حتما.

الطفل الذي لا يعرف متع الحياة كلها، حين تحاصره بكتاب بوصفه أفضل متعة، سيظل وفيا لمتعته الأولى، وسيطاردها، ويستزيد منها، وهكذا، وأنظر الآن إلى جيلنا الذي نشأ في وقت كانت فيه القراءة هي المتعة المتوفرة، بجانب السينما التي كانت متعة لا تستطيع الحصول عليها بسهولة، والتلفزيون الذي كان يتحكم فيه الآباء فيفتحونه في أوقات نشرات الأخبار، ويغلقونه في أوقات اللهو والدراما والأغنيات.

أنظر لذلك الجيل الذي لحق شيئا من التكنولوجيا الجاذبة، واللاهية عن الكتاب، لكنه ظل وفيا لمتعته الأولى وما زالت في الصدارة، برغم حسابات تويتر وفيسبوك وإنستغرام، وغيرها.

عالم خدمة القراءة، عالم جميل، وبالتأكيد سأفكر شخصيا في كيفية دعم فتاة السودان، في مشروعها الحلم، لإنشاء مكتبات في الشوارع، وأيضا ذلك الشاب الذي يحلم بأن تتحول الشواطئ، في فترة الصيف، من ملاهٍ، وسنانير لاصطياد الغرائز، إلى بؤر للمعرفة، ومتعة القراءة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة