غربة القرآن وطلابه بخلاوي جوبا   
الثلاثاء 1431/10/20 هـ - الموافق 28/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 7:21 (مكة المكرمة)، 4:21 (غرينتش)
طلاب يحفظون القرآن الكريم بخلوة الشيخ دفع الله في جوبا (الجزيرة نت)

محمد أعماري-جوبا
 
اليوم الذي زرنا فيه خلوة الشيخ دفع الله لتحفيظ القرآن الكريم بمدينة جوبا -كبرى مدن جنوب السودان- لن ينسى بسهولة من ذاكرة طلابها، ليس لأن وسيلة إعلام زارتهم لتسلط الضوء على أوضاعهم وتنقل للعالم أخبارهم، بل لأن لحم خروف جاد به محسنون "زارهم" هو أيضا في اليوم نفسه لينتشلهم من روتين أكل العدس والفاصوليا والعصيدة.
 
فطلاب هذه الخلوة -كما شرح لنا مسؤولها الإداري الشيخ جمعة سعيد علي- تتناوب على بطونهم الوجبات الثلاث المذكورة، في انتظار وجبة لحم مرة واحدة في الشهر، وذلك فقط مظهر واحد من مظاهر غربة طلاب القرآن في هذه الخلوة وغيرها من "الخلاوي" (الخلوات) في مدينة جوبا ونواحيها.
 
خلوة الشيخ دفع الله أسسها عام 1979 هذا الرجل الذي تحمل اسمه، واعتمد في ذلك على مجهود شخصي وبمساعدة من سكان حي معهد جوبا العلمي الذي تتوسطه، وذلك بهدف أن تكون مأوى للعديد من الطلاب الوافدين من عدة مناطق بجنوب السودان لولوج المدارس النظامية، وفي الوقت نفسه لحفظ ما تيسر من القرآن الكريم فيها.
 
دعم خلوة الشيخ دفع الله توقف منذ عشر سنوات (الجزيرة نت)
توقف الدعم
وتؤوي الخلوة نحو 170 طالبا تتراوح أعمارهم بين سبعة أعوام وعشرين عاما.
 
وكما أوضح الشيخ جمعة سعيد، يبدأ البرنامج اليومي بالاستيقاظ لصلاة الفجر ثم قراءة وحفظ القرآن إلى أن تشرق الشمس، ثم يحين وقت المدرسة النظامية، فيغادرون ليعودوا إلى الخلوة بعد الظهر ويتناولوا وجبة الغذاء ويستأنفوا حفظ القرآن إلى المساء.
 
تعاقبت على دعم هذه الخلوة عدة منظمات، لكن هذا الدعم توقف منذ عشر سنوات، حتى إن المصاحف التي يستخدمها الطلاب لحفظ القرآن أصبحت رثة وجلها ممزق، وآخر دفعة تلقتها الخلوة من هذه المصاحف تعود إلى العام 2000 حيث أحضرها الشيخ دفع الله من الخرطوم بعد أن تبرع له بها أحد مصارف المدينة.
 
ومنذ تلك الدفعة وحتى هذه اللحظة لم تصل الخلوة أي مصاحف أخرى، ولذلك يؤكد المسؤول الإداري للخلوة أنهم يبذلون قصارى الجهد في المحافظة عليها حتى لا تنقرض، ويضيف أن كتب الفقه والسيرة التي تستخدم في بعض حصص التدريس لا تتوفر منها إلا نسخة واحدة يضطر للاحتفاظ بها في بيته حتى لا تضيع.
 
مباني الخلوة بدورها يعود تاريخ تجديدها إلى أكثر من عشرين سنة مضت، وهي لا تعدو أن تكون جدرانا من الطين تحمل سقوفا من الخشب والزنك، وكلما هطل عليها المطر يتآكل منها شيء، وقد لا تكون صالحة للاستعمال بعد عام، حسب القائمين عليها الذين يعتبرون أن مساكن الطلبة هي أكبر مشكلة يواجهونها الآن ويأملون أن يقيض الله من يقدم لهم دعما في هذا المجال.
 
وعلى تواضع هذه المساكن التي يتزاحم فيها الطلاب وتختلط فيها أغراضهم وملابسهم بالتراب وتتقاسمها معهم الحشرات وبعض الزواحف، فإنها تقدم خدمة كبيرة لهم لأنها تؤويهم، وكثيرون منهم قضوا فيها كل مراحل دراستهم إلى أن حفظوا القرآن الكريم وأنهوا تعليمهم الجامعي وعادوا إليها مدرسين لغيرهم من الطلاب.
 
إحدى حلقات تحفيظ القرآن الكريم في جوبا (الجزيرة نت)
نموذج فقط
وخلوة الشيخ دفع الله ما هي إلا نموذج لما تعانيه "خلاوي" جوبا، بل هي الأحسن حالا بين نحو عشرين خلوة توجد في المدينة ونواحيها يدرس فيها أكثر من ستمائة طالب، حسب ما أكد للجزيرة نت الشيخ الطاهر محمد الحسن، الأستاذ بمعهد جوبا العلمي الثانوي ومشرف "خلاوي" قالون الاستوائية تحت إدارة منظمة الدعوة الإسلامية في الخرطوم.
 
البرنامج الأساسي في هذه الخلاوي –حسب الشيخ نفسه- يركز على تحفيظ القرآن الكريم و"ربط الطلاب بدينهم كي يكون لهم تأثير في أسرهم وأحيائهم وبين أقرانهم"، كما أنهم يتلقون فيها مبادئ دينهم ويتعلمون فقه العبادات مثل الصلاة والصوم والطهارة، ويدرسون فيها السيرة النبوية.
 
ويضيف الشيخ الطاهر أن أهم ما تعاني منه هذه الخلاوي مشكلة قلة المساكن التابعة لها مما يؤثر على أدائها، "لأن الطلاب الساكنين فيها يمتثلون أكثر لبرامجها ويكون تحصيلهم أحسن من أولئك الساكنين خارجها".
 
وحتى لا يتسبب نقص الدعم في أن تصبح هذه الخلاوي خالية من الطلاب، فإن القائمين عليها يأملون أن يهب من يتطوع للإنفاق من أجلها ورعاية محاضن يترعرع فيها طلاب العلم وحملة كتاب الله.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة