الولادة والفناء في لوحات الرسام اللبناني حسن جوني   
الاثنين 26/2/1424 هـ - الموافق 28/4/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

تنبض غنائية اللون في لوحات الرسام التشكيلي اللبناني المخضرم حسن جوني فهو يرصد حركة الإنسان في القرى والمدن والمقاهي ويصور حركة أجسادهم الدائرية على أرض ترابية صلبة. ويبدو أشخاص جوني وكأنهم يقفون على خشبة مسرح يروون باللون والضوء حكايات المساكين والفقراء والمحزونين والعمال الكادحين, حيث يؤرخ في لوحة (عملية الولادة والفناء) عبر تلاشي الألوان والحركة الخاطفة الملتفة على الذات حتى الاختفاء ويلاحق الواقع وانسيابه في الزمن حتى التفتت والفناء.

ويعبر جوني بدقة عن الانعكاسات الإنسانية وعلاقتها بالمكان الذي يعتبره حقيقة مرئية, ويقول إن "الفنان شاهد على عصر وتاريخ ووقائع. الفنان مهمته أن يؤرخ لأن الفن في النهاية هو عملية تأريخ من لون وخط.. من حدث أو مجموعة أحداث تمر في وجدان الشعب".

وأضاف وهو يضع بعض الألوان الخفيفة على لوحة في مرسمه ببيروت "اللوحة هي عبارة عن مرحلة متقدمة جدا من إرهاصات الفنان عما هو دائر وما سيدور أيضا لأن الفنان ليس محللا سياسيا وليس بالتالي قائدا عسكريا كي ينظم خططا، ويوفق ما بين خصال وطبائع السياسيين والعسكريين. الفنان صاحب شحنة إنسانية هائلة هذه الشحنة التي أسميها (الرحمانية) تستشف مظلمة الأيام القادمة عليه وعلى شعبه".

ورأى أن اللوحة هي "عملية عرض واقعية ودقيقة وحقيقية وعميقة وصادقة لما جرى على هذا الإنسان في حيزه ومكانه" وتابع "أنا فنان أرسم نفسي للآخرين وكل آخر يشبهني يرى نفسه أصبح معي يتمنى أن يوقع لوحتي بعدما أوقعها بالنهاية لوحات حسن جوني هي مرايا نفسه ومرايا الآخرين في هذا الوطن".

ولكل لوحة من لوحات حسن جوني حكايتها وأبطالها من الريفيين تدل على ذلك ملامحهم وحركة أجسادهم فهو يصر على التقاط الواقع الريفي حتى الخيال هو ذو بذور واقعية لأنه حيث لا واقع لا خيال كما يقول جوني.

ولا تنفصل لوحاته عن قضايا الناس وحركتهم في الدوائر العملية والترفيهية فهم يشكلون بالنسبة له المحاور البصرية بحيث تحضر في لوحاته الناس المهمشة والمتعبة والعاملة, معتمدا على الواقع بأشخاصه وأماكنه كمادة أساسية في لوحاته موضحا "اللوحة تبدأ من واقع أي أنني انظر إلى الواقع من حيث لا يراه الآخرون واستخلص من هذا الواقع رؤية ومن ثم ادخلها إلى مخيلتي وبدخول الرؤية إلى المخيلة تبدأ بالخضوع لعملية تجاذب ما بين النص الانفعالي نحو هذه الرؤية وتحويل هذه الرؤية إلى مدركات بصرية".

وبعيدا عن الحضور البشري الذي يغطي لوحاته تطل البيوت والمشاهد الطبيعية ويتعامل معها حسن جوني كأنها حلم مضى وترك في الذاكرة بعض العلامات الفارقة إذ يقول "لا إنسان بلا هوية والهوية بالنسبة لي ليست بطاقة هي وطن وتراب وهواء وتاريخ. هذه الجدلية قائمة منذ الأزل وإلى الأبد".

ولا يتعامل مع هذه الأمكنة على أنها حيز جغرافي فقط إنما يؤكد أنها "تشكل لي بدايات ونهايات.. تشكل لي بدايات تفتح وعيي على حقيقة مرئية. المكان هو حقيقة مرئية. عندما أتعاطى مع رسم الأماكن أو المطارح أكون أتعاطى مع الحركة الإنسانية الأبدية التي لا تعيش فقط في وجدان الناس وإنما تعيش أيضا بذاتها.

ويخضع جوني لوحته لعملية تلاشي في نهاية الأشخاص والأمكنة ويقول عن هذه العملية "إنها تصور فكري قبل أن تكون مدرسة تشكيلية. لقد أصبح عمري 61 عاما. هذا العمر انطلق من لحظة.. لحظة تشكل واقعا والواقع يبدأ بالصعود وكل ما أخذ بالصعود كل ما أخذ بالتلاشي.. أي الولادة ومن ثم الفناء .. الواقع وانسيابه فيِ الزمن حتى التفتت".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة