أخيرا باريس تستضيف الفنان أوتونييل   
الأحد 1432/4/9 هـ - الموافق 13/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 23:10 (مكة المكرمة)، 20:10 (غرينتش)

عمل بعنوان "المسرح الصغير" للفنان الفرنسي جان ميشال أوتونييل (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

وأخيرا تقيم باريس "معرضا استعاديا" للفنان الفرنسي جان ميشال أوتونييل. ونقول "أخيراً" ليس فقط لأن هذا الفنان، تمكن بسرعة مذهلة وعبقرية رغم صغر سنه (من مواليد 1964)، من فرض نفسه على الساحة الفنية الدولية، بل أيضاً لاختياره باريس موقعا ثابتا على خريطة تنقلاته كواحدة بين أبرز عواصم الفن في الغرب.

معرضه الحالي في مركز بومبيدو يقترح علينا إعادة تشكيل فريدة لمساره، منذ انطلاقته عام 1987 وحتى اليوم، من خلال عشرات الأعمال الفنية التي تتراوح بين أعمالٍ شعرية حميمة وأعمالٍ ضخمة ذات طابع خارق مثير للمخيلة.

وداخل هذا المعرض تتجلى لنا مختلف مراحل اختبارات أوتونييل التي قادته حتى منتصف التسعينيات إلى استخدام مواد هشّة وحسّاسة -كالكبريت والفسفور والشمع- بالكاد استخدمها أحد قبله، ولعبت دور المسيّر لتأملاتٍ حول الجسد وعذاباته، بين جمالٍ واشمئزاز.

وبواسطة هذه المواد، تمكن من استكشاف الحدود بين العالم العضوي والعالم الطبيعي، قبل أن يكتشف مادة الزجاج وإمكانياتها التشكيلية اللامتناهية، فيبتكر بواسطتها منحوتاتٍ ضخمة تتمتع بجماليات فريدو ومتناغمة.

من أعمال الفنان جان ميشال أوتونييل
 (الجزيرة نت)
أعمال أولى
أعمال أوتونييل الأولى هي صور فوتوغرافية وُلدت تحت شعار الكلام المستحيل؛ كلامٌ خط طريقه من خلال النظرة بسبب تعذُّر صوغه. ملغزة مثل شخصية صاحبها، تشكّل هذه الصور علامات شعرية تقاوم الأشكال التي من المفترض أن تجسّدها؛ صورٌ شبحية تتخللها ترتيبات بسيطة لأشياء رمزية وتنويعات من الأضواء والظلال حول مسألة التجلّي.

ولفهم هذه الصور علينا العودة إلى مصدر وحي الفنان آنذاك، أي كتاب ليوبولد ماتي "الصور الفاشلة في مختلف الوسائل الفوتوغرافية" (1893)، وبالتالي إلى استمداد عمله من فكرة الفشل ومن استحضار الصور الفاشلة التي تلفها ضبابيتها بهالةٍ من القوة والجمال الغامضين.

وفي أعماله اللاحقة، ترجم الفنان ذلك التوتر بين حضورٍ وغيابٍ في ثنائية النموذج وظله التي تذكّرنا بتلك المقابلة الثابتة بين الحياة والموت، لكن ضمن نبرةٍ استعارية ولطيفة تُبطل مفعول المأساوي وتسمو به.

ومن الصورة الفوتوغرافية، استبقى أوتونييل في عمله التفاعل بين الشكل والضوء، وعملية تجهيز المشهد: الصفيحة الحساسة، المشهد أو الشيء المصوَّر، وعبور الضوء. وفي هذا السياق، أنجز تجهيزات تتوزع فيها العناصر المذكورة بطريقةٍ تكشف لنا الفعل الفوتوغرافي بدلاً من الصورة الفوتوغرافية نفسها.

تبدو المرحلة الأخيرة من عمله كزمن المصالحة مع نفسه ومع العالم. إذ تعكس قطعه الزجاجية الشفّافة ومادته التي تسمو بجروحها إلى حدود الندوب المشعّة جسداً حلّ السلام فيه
حقل المنحوتات
وبعد توظيف خيارٍ واسع من العناصر والمواد في ابتكاراته، ركّز أوتونييل عمله بشكلٍ راديكالي على مادة واحدة هي الكبريت، كما في منحوتته الأولى التي صنعها من كبريت مقولب أثناء إقامته في مؤسسة كارتيي الفنية عام 1988، وتختلف عن أعماله السابقة بكونها القطعة الأولى التي يمكن أن ندور حولها.

ومع هذا العمل، انتقلت عملية إبداع الفنان من المراجع الرسومية إلى حقل المنحوتة، علما بأنه بقي على هامش هذه التقنية أيضاً إن بمادته غير المعهودة أو بمقاومته الثابتة نزعة خلق أشكالٍ بنفسه. وأبعد من القطعة المنجزة، لعبت إمكانية قولبة الكبريت وتحويله من مادةٍ صلبة إلى مادة سائلة الدور الرئيسي في انحراف ممارسة أوتونييل، وفتحت أمامه آفاق عملٍ جديدة.

وفي هذا السياق، حقّق الفنان الفرنسي لدى إقامته في هونغ كونغ (1989) سلسلة منحوتات بواسطة الكبريت الذائب استوحاها من صور إيروسية فرنسية، لكنها تبدو كجبالٍ صغيرة تتضمّن تحت قاعدتها الشكل المنحوت لعضو جسدي، كعين أو أصبع.

ولعرضها، ابتكر واجهات بخلفية مزدوجة يسمح نظام المرايا فيها بكشف جسد العمل الفني من داخله. وفي هذه المرحلة، أخذت مسألة الكشف بُعداً إيروسياً قوياً لديه، على طريقة جورج باتاي.

لكن أكثر من باتاي أو أندريه بروتون، استحضر أوتونييل في عمله آنذاك مراجع تعود إلى روّاد السوريالية قبل تأسيسها، مثل ريمون روسيل ولوتريامون، وسعى خلف ذلك الجمال المتشنّج والغريب الذي يشبه "لقاء المصادفة بين شمسية وماكينة خياطة على طاولة تشريح" وفق قول لوتريامون؛ وهو لقاء حققه الفنان حرفياً في منحوتة جليدية أنجزها في برشلونة لمتحف "تاريخ الطب الكتالوني".

مشغولات أوتونييل اتخذت طابعا تجريبيا  (الجزيرة نت)
طريق الحرية
ولأن طريق الحرية في الفن يتطلب مفردات شكلية ومرجعية غير مألوفة واختبارات ومواد جديدة، جهد أوتونييل، خلال الفترة التي تلت إقامته في نابولي (1990-1992)، في سبر سر تصنيع تلك المادة التي شاهدها في بعض الجزر الإيطالية، أي السَبَج (حجر زجاجي أسود)، وفي إنجاز ثلاث قطع فنية بها استوحى شكلها من شكل جزيرة سترومبولي.

ولدى إقاماته المتكررة في نيويورك انطلاقاً من عام 1993، طوّر عمله على مادة الكبريت عبر وضعها في علاقة مع مواد أخرى، كما أنجز بمادة الفسفور عدداً من الرسوم لأذرع وأياد تحمل آثار عيدان كبريت كجروحٍ بليغة، ولوحات صغيرة على بطاقات بريدية. وفي مجموعة أعمال أخرى، استخدم الفسفور كمادةٍ لطباعةٍ حريرية وحقّق سلسلة مطبوعات انطلاقاً من صورة لغرفةٍ داخل مصحّة عقلية.

وفي لوحات أخرى، خلط مادة الفسفور مع ألوان شفّافة لبلوغ تشكيلاتٍ مجرّدة. وتحت تأثير الفنان فيليب غوستون، أقدم على طلاء منحوتاته التي تمثل أعضاء بشرية بألوانٍ مختلفة وعلى تهجينها مع أشياء من الحياة اليومية، فتحوّلت إلى رؤى غريبة ذات صبغة سوريالية، مثيرة للفضول ومنفِّرة في آنٍ واحد.

ووجب انتظار عام 2001، وتحضير معرضه في "فيلا ميديسيس" (إيطاليا)، كي ينطلق أوتونييل في إنجاز قطعٍ فنية بمادة الزجاج، بمساعدة بعض مصنّعي هذه المادة في البندقية، فيُدشّن مرحلة جديدة من عمله تتطلّب منه الخروج من محترفه والتخلي عن الحركة الخلّاقة وتوكيلها إلى نافخ الزجاج.

وتتحلّى هذه الأعمال بألوانٍ نيّرة وجذّابة وبأشكالٍ عضوية ملتبسة تقع بين البشري والنباتي، وبجروحٍ متعمَّدة ومشوِّهة تضفي عليها هالة من الجمال الغريب الذي سعى أوتونييل خلفه منذ بداية مساره.

وتبدو المرحلة الأخيرة من عمله كزمن المصالحة مع نفسه ومع العالم. إذ تعكس قطعه الزجاجية الشفّافة ومادته التي تسمو بجروحها إلى حدود الندوب المشعّة جسداً حلّ السلام فيه. فمع أن التباس الأشكال والعواطف يبقى ملموساً في هذه الأعمال كعلامة مكوِّنة لعالم الفنان، فإن جمالها يبدو قائماً أكثر فأكثر على مفهوم التناغم ضمن مناخٍ سحري مثير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة