أميركا وخوفها القاتل من العلم   
الأربعاء 1436/4/22 هـ - الموافق 11/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:55 (مكة المكرمة)، 11:55 (غرينتش)

عبد السيد*

هناك مرض نادر وفتّاك وشديد العدوى ينتشر في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وقد أصابت عدواه أكثر من مائة شخص منذ بداية العام الجاري، وهناك عدة آلاف آخرين معرضون للخطر. وهذا ليس سيناريو يوم القيامة الذي تصوره كثيرون عندما تم تشخيص أول حالة إصابة بالإيبولا في الولايات المتحدة قبل خمسة أشهر، بل إن المرض الذي عاد للظهور الآن هو الحصبة، وهو المرض الذي أعلنت مراكز مكافحة ومنع الأمراض الأميركية القضاء عليه تماماً عام 2000 بفضل اللقاح الفعّال والآمن، فماذا حدث إذن؟

منذ العام 2000، كانت حالات الحصبة في الولايات المتحدة تنسب -إلى حد كبير- لمسافرين يجلبون المرض إلى البلاد. ولكن في السنوات الأخيرة أصبح المرض شائعاً بشكل متزايد، مع ارتفاع عدد الحالات إلى أكثر من 150 حالة في العام 2013، ثم قفز إلى 644 حالة في العام الماضي، وهو أكبر عدد مسجل من الحالات في عام واحد منذ تسعينيات القرن العشرين. ويبدو أن العدد سيرتفع إلى رقم قياسي جديد هذا العام.

يمكن تفسير هذا التصاعد في حالات الإصابة إلى حد كبير بالزيادة في أعداد الأطفال غير المطعمين. والآن يتعلم الأميركيون بالطريقة الصعبة أن الشكوك التي لا تقوم على أي أساس علمي حول سلامة اللقاحات شديدة الخطورة.

ولعل معدلات الوفاة نتيجة للحصبة أقل من معدلات الوفاة الناجمة عن فيروس الإيبولا، ولكن قدرة الحصبة على إلحاق المعاناة والموت -وخاصة ببن الأطفال- تظل كبيرة. والواقع أن مرض الحصبة قبل أن يصبح نادراً بفضل التطعيم كان يثير الخوف على نطاق واسع، وكان يقتل آلاف الأطفال في كل عام.

المفارقة المأساوية في ما يتصل بالتطعيم في الولايات المتحدة هي أنه أصبح ضحية لنجاحه، فمع تضاؤل أعداد الناس الذين شهدوا بأعينهم آثار الحصبة والنكاف، والحصبة الألمانية، وشلل الأطفال، والسعال الديكي وغيرها، تراجع التزام المجتمع باتقائها

المفارقة المأساوية
المفارقة المأساوية في ما يتصل بالتطعيم في الولايات المتحدة هي أنه أصبح ضحية لنجاحه، فمع تضاؤل أعداد الناس الذين شهدوا بأعينهم آثار الحصبة وغيرها من أمراض الطفولة -مثل النكاف، والحصبة الألمانية، وشلل الأطفال، والسعال الديكي- تراجع التزام المجتمع باتقائها.

وحتى بعد إثبات كذب الادعاءات المذعورة بأن اللقاحات تسبب حالات واضحة مثل التوحد، فإنها تظل أكثر إقناعاً من مخاطر المرض الذي لم يعاين الناس أضراره قط أو لا يتذكرونه مطلقا.

بطبيعة الحال، قد تُحدِث التطعيمات بعض الآثار الجانبية، مثل الطفح الجلدي، أو الإجهاد، أو الصداع، أو الحمى. ولكن الادعاءات بأن اللقاحات تؤدي إلى أضرار كبيرة ودائمة وواسعة الانتشار، لا أساس لها من الصحة على الإطلاق.

في عام 1998، كان أندرو ويكفيلد أول من ادعى وجود علاقة بين لقاحات الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية وبين الإصابة بمرض التوحد. ولكن سرعان ما تبين أنه زَوَّر أدلته، فَسُحبت بحوثه، وفي وقت لاحق مُنِع من ممارسة الطب في بلده الأصلي المملكة المتحدة بسبب "سوء السلوك المهني الخطير".

ضرر
ولكن الضرر كان قد وقع بالفعل، فرغم نبذ ويكفيلد من المجتمع الطبي وفضح خداعه، ناهيك عن عدد كبير من الدراسات التي لم تتوصل إلى أي صلة على الإطلاق بين اللقاحات ومرض التوحد، فقد نجح في الحفاظ على أتباع مخلصين في الولايات المتحدة. وما يزيد الأمور سوءاً أن عدداً من المشاهير غير المسؤولين والجهال صدقوا أكاذيبه واستغلوا قدرتهم على الوصول إلى وسائل الإعلام لنشر نظيرات المؤامرة والدعاية المناهضة للتطعيمات.

ما يزيد الأمور سوءاً أن عدداً من المشاهير غير المسؤولين والجهال صدقوا أكاذيب ويكفيلد واستغلوا قدرتهم على الوصول إلى وسائل الإعلام لنشر نظيرات المؤامرة والدعاية المناهضة للتطعيمات

ونتيجة لهذا، تستمر معدلات التطعيم في الانخفاض. وفي بعض المجتمعات -وخاصة في كاليفورنيا وأوريغون- سجلت هبوطاً شديدا. وفي الفترة بين عامي 1996 و2015، حدثت زيادة بلغت ستة أضعاف في معدل الإعفاء من التلقيح للتلاميذ الذين يلتحقون بالمدرسة الابتدائية في ولاية كاليفورنيا. وقد ساهم هذا ليس في انتشار الحصبة فحسب، وإنما السعال الديكي والنكاف أيضا.

ويزعم الآباء أن التطعيم -مثله كمثل كل القرارات الأخرى المتعلقة بكيفية تنشئة الأطفال ورعايتهم- لا بد أن تكون مبنية على اختيارهم الحر. ولكن عندما يتعلق الأمر بالتطعيم، فإن رداءة الحكم من قبل أسرة ما قد تعني المرض أو حتى الوفاة لآخرين.

عندما يتم تطعيم العدد الكافي من أفراد أي مجتمع، ينشأ نوع من "مصد الحصانة"، فيضيف طبقة إضافية من الحماية للأفراد المطعمين، في حين يحمي غير المؤهلين لتطعيمات معينة، مثل الأطفال أو الأشخاص الذين يعانون من خلل في الجهاز المناعي والأفراد الذين ترتفع معدلات الوفاة بسبب المرض بينهم إلى أعلى مستوى. وتسمى هذه الظاهرة "حصانة القطيع"، وكانت بالغة الأهمية لفعالية اللقاحات.

الخوف
وهذه ليست المرة الأولى التي يسمح فيها عامة الناس في أميركا للخوف بإملاء السياسات العامة، فقبل بضعة أشهر أصاب الذعر الأميركيين من أن يتمكن فيروس الإيبولا من بلدهم. وبدلاً من تقديم الزعامة المسؤولة، سارع ساسة مثل حاكم نيوجيرسي كريس كريستي وعضو مجلس الشيوخ راند بول من كنتاكي إلى إذكاء حالة الرعب للفوز بدعم الناخبين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ولم تلق محاولات الخبراء إقناع الأميركيين بمدى صعوبة انتقال الإيبولا، وإلى أي مدى يُعَد احتمال انتشار وبائه في الولايات المتحدة غير مرجح، آذاناً صاغية.

اليوم، يرفض الأميركيون مرة أخرى الإصغاء لنصيحة الخبراء، ولكنهم هذه المرة يواجهون تهديداً خطيراً حقا. وعندما نسمح للآباء -أو حتى نشجعهم- على اختيار الخوف بدلاً من العلم، فسندفع جميعنا الثمن

واليوم، يرفض الأميركيون مرة أخرى الإصغاء لنصيحة الخبراء، ولكنهم هذه المرة يواجهون تهديداً خطيراً حقا. والأمر الأسوأ هو أن الساسة من أمثال كريستي وبول يدعمون ضمنيا -أو ليس ضمنياً للغاية- الآباء الذين يختارون عدم تطعيم أطفالهم، رغم الإجماع العلمي على أن الآباء يساهمون بهذا في إحداث أزمة صحية عامة حقيقية.

الواقع أن بول -وهو من عجيب المفارقات طبيب- ذهب إلى حد ذكر العديد من الأطفال الذين يعرفهم والذين عانوا من "اضطرابات ذهنية عميقة" بعد تلقي التطعيمات، في مداهنة واضحة لمناهضي التطعيم الذين ربما يدعمونه سياسيا، ولم يكن ينقصه إلا أن يقدم ادعاءً علمياً هزيلاً مفاده أن اللقاحات تتسبب أيضاً في جعل الناس أطول، ذلك أن كل طفل عرفته نما لكي يصبح أطول بطبيعة الحال بعد تطعيمه.

ربما يكون المنهج العلمي الحَكم الأعظم على الحقيقة الذي ابتكرته البشرية على الإطلاق، ويتعين علينا أن نثق به لكي يساعدنا في التوصل إلى فهم عالم يتسم بقدر كبير من عدم اليقين، ويعيننا على تحديد أفضل كيفية لتغذية وحماية أطفالنا وأنفسنا. وعندما نسمح للآباء -أو حتى نشجعهم- على اختيار الخوف بدلاً من العلم، فسندفع جميعنا الثمن.
_______________
* أستاذ عِلم الأوبئة في كلية ميلمان للصحة العامة بجامعة كولومبيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة