"لعبة المغزل" تكشف آليات التلاعب بالتاريخ   
الخميس 24/8/1436 هـ - الموافق 11/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:07 (مكة المكرمة)، 10:07 (غرينتش)

هيثم حسين

يكشف الإريتري حجي جابر في روايته "لعبة المغزل" خطورة التلاعب بالتاريخ عبر تزويره وتزييف الحقائق بما يلائم مصالح هذا الطرف أو ذاك، وإشكالية أن يتم رهن الوطن بكل مقدراته وطاقاته لتلبية نزعات الطاغية، عبر العمل على تلميع صورته وتشويه الآخرين، لإبرازه على أنه البطل الأوحد، والمنقذ الذي لولاه لهلكت البلاد.

ويشير جابر في روايته (منشورات المركز الثقافي العربي في بيروت 2015) إلى أساليب صناعة الكذب، عبر تحوير الوقائع وممارسة الحذف والاصطفاء، وصولا إلى الصورة التي ترضي رغبات الطاغية ومحاولته تأسيس سلطته المطلقة.

يُركّز حجي جابر على فكرة التغيير، تغيير الحكاية عبر اللعب في وقائعها وتفاصيلها، تغيير التاريخ عبر تزويره وتزييفه وتلفيق قصص لم تقع وتصديرها على أنها الأصل، وتغيير الشخصيات والمصائر، وينطلق في ذلك بجملة لأليكسيس كارليل يمهد بها لعمله تقول: "لا يتغير الإنسان دون عذاب؛ لأنه النحات والمرمر في آنٍ معا".

وثائق وأسرار
يبدأ صاحب "سمراويت" روايته بما يسميه "الشريط الأخير"، وهي بداية التفافية، يقدم فيها المشهد الذي يفترض أنه الأخير في الرواية، ليعود بعد ذلك إلى الشريط الأول، ويصور تدرج الأحداث وتصاعد المواقف.

وكأن البداية الأولى التي يقدم فيها نهاية البطلة ومخططها الذي ستصل إلى تطبيقه في نهاية الرواية ما هي إلا تمهيد للبداية التالية، التي تكون عتبة بدء الحبكة، ونسج الأحداث وفق لعبة المغزل، بحيث تتقاطع الخيوط مؤدية إلى الخاتمة المقدمة في البداية.

خيوط اللعبة تنفرج حين تطلع الفتاة على وثائق تتحدث عن أمها المجهولة لها، وكيف أن الزعيم استغلها وحجبها عن الآخرين، وأنجب منها ابنة ألقي بها في كنف جدتها، وأنه قيل لها إن أباها استشهد وأمها توفيت بعد ذلك في حادث

فتاة جميلة تعيش في أسمرا، تخطط للانقضاض على رجل مهم، يُعرَف لاحقا بأنه الرئيس، تتهيأ للموقف وتعد عدتها للقضاء عليه، تلامس رقبته، ترى نظرة مذعورة في عينيه فتشعر بالزهو، توقن أن ما يحدث يليق بليلتها الأخيرة حتى وهي تتلقى سيلا من الطلقات، وترى الهلع يستوطن عينيه.

تعمل بطلة الرواية -التي تخرجت في كلية الفنون- في دائرة حديثة التأسيس مخصصة لأرشفة وثائق الدولة إلكترونيا. وهي وثائق كتبها مناضلو حرب الاستقلال كيوميات عن أنفسهم، أو عن زملائهم، أو القليل مما كُتب من الأوامر والرسائل الرسمية، إذ كان يُعمد إلى تجنب التعليمات المكتوبة ما أمكن. تتفاجأ بكميات كبيرة من الورق المهترئ المصفر، كان يتوجب إدخالها إلى النظام الإلكتروني.

كان يتم انتقاء الموظفين للدائرة الجديدة بعد تحر دقيق، فقد علمت الفتاة أنهم وقبل قبولها عرفوا عنها كل شيء تقريبا؛ كيف نشأت يتيمة في كنف جدتها، وكيف قضت طفولة ناقصة دفعتْ بها نحو الانطواء، قبل أن يُنقذها عالم الرسم الذي لأجله أكملت دراستها وخرجت للحياة مجددا.

تكتشف الفتاة أن الوثائق تمر بعدة مراحل، يتم تحريرها وتشذيبها بما يتلاءم مع تعظيم شخصية الرئيس الذي يوصَف بأنه النحات الذي يراجع الأوراق ويضع عليها ملاحظاته وإشاراته، ليتم إدخالها عليها، وإعادة صياغتها بطريقة تلبي رغبته ومسعاه للتفرد بالحكم وتشويه الآخرين.

وتنفرج خيوط اللعبة حين تطلع الفتاة على وثائق تتحدث عن أمها المجهولة لها، وكيف أن الزعيم استغلها وحجبها عن الآخرين، وأنجب منها ابنة ألقي بها في كنف جدتها، وقيل لها إن أباها استشهد وأمها توفيت بعد ذلك في حادث، حيث يتم إيهامها بصدق الحكاية، في الوقت الذي تفتقر فيه إلى أي سند يدعمها. وتتفاجأ أن الزعيم الذي يتلاعب بالوثائق ويزورها، ويتلاعب بالبلاد ويزيف تاريخها، ويشوه حاضرها، ما هو إلا أبوها الذي تنكر لها ولأمها، وتنكر لوطن حاول أن يوقفه لنزواته ويحوله إلى مزرعة شخصية له.

بطولات ملفقة
تتناسل الحكايات في "لعبة المغزل" من بعضها البعض، يتبادل الحكاؤون تسليم خيوط السرد لبعضهم، فالجدة هي نبع الحكايات، على الطريقة الكلاسيكية، وهي المتكتمة على الأسرار والألغاز، والطبيب بدوره يدخل دائرة الحكاية ويدور في فلك الفتاة التي هي جامعة الحكايات، والممسكة بزمامها، تتنقل بين قصص الوثائق والمستندات، وأسرار القيادات في تحركاتها وتصفياتها ومعاركها، وتكتشف تباعا كثيرا من المسائل التي كانت مستعصية ومستغلقة عليها.

قارئ "لعبة المغزل" يتذكر الفكرة التي اشتغل عليها الإيطالي أمبرتو إيكو في روايته "مقبرة براغ"، وهي الاشتغال على مسألة تزوير الوثائق التاريخية والتلاعب بها، وتحويل الهزائم إلى انتصارات

يمارس صاحب "مَرْسَى فاطمة" التشويق في الفصل الأول، ويكمل تشويقه بشكل تصاعدي في العمل، حتى بلوغ حبكته ذروتها، وهي الذروة التي بدأ بها ويعود إليها، إذ لا تنفك دوائر الأسرار تتسع وتنجلي في الوقت نفسه، سر يستدعي آخر في رحلة البحث عن الهوية المفقودة، والسعي لاكتشاف الحقائق وسط متاهة من الزيف والخداع والتلاعب بالوثائق والأحداث، وتحويل الهزائم الواقعية إلى انتصارات متخيلة.

يشير جابر إلى لعبة المرايا، أثناء حديثه عن لعبة المغزل وتصويره تفاصيل نسج الأكاذيب واشتغال الآلة الإعلامية والدعائية على تجميل صورة الطاغية، وإظهاره متفوقا على أقرانه وزملائه، وتبدأ لعبة المرايا منذ بداية الأحداث وصولا إلى الخاتمة، فالشخصيات مرايا لبعضها البعض، وإن اختلفت أشكالها وملامحها، لكنها تتقاطع في سبرها الأغوار ومحاولة اكتشافها خفايا الواقع.

يتذكر قارئ "لعبة المغزل" الفكرة التي اشتغل عليها الإيطالي أمبرتو إيكو في روايته "مقبرة براغ"، وهي الاشتغال على مسألة تزوير الوثائق التاريخية والتلاعب بها، وتحويل الهزائم إلى انتصارات، أو تلفيق القصص والبطولات، وإظهار الحقائق مشوهة في سياقات تخدم رغبات الأقوياء والمتنفذين ومساعيهم للهيمنة على الآخرين.

لكن اشتغال جابر يأتي من باب المحلية، والتخصيص على الواقع الإريتري الذي يمكن أن يرمز إلى واقع الأنظمة الديكتاتورية في هذا المكان أو ذاك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة