الشلات الشعبية.. طفرة فنية بين الغناء والإنشاد   
السبت 1437/6/18 هـ - الموافق 26/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:02 (مكة المكرمة)، 11:02 (غرينتش)

هيا السهلي-الدمام

"سما سما.. كفو كفو.. خطر خطر..". ليست هذه دروس هجاء، أو كلمات متقاطعة، أو إشارات مرورية، إنما مطلع "شلات شعبية" بقصائد فخر للقبيلة يرددها أطفال الحواري عند عودتهم من المدارس وتحت ظلال أسوار المنازل في مختلف مناطق السعودية.

وليس الأطفال فحسب من يردد الشلات، لكنها باتت تجلجل سماعات محلات بيع الأسطوانات الغنائية، وحققت على موقع يوتيوب ملايين المشاهدات والإعجابات، في مؤشر قوي على انتشار هذا الفن الشعبي الذي يقع في منزلة بين المنزلتين؛ بين الغناء والنشيد الديني.

ويعرف عضو جمعية الثقافة والفنون بأبها (جنوب السعودية) الشاعر أحمد الحربي الشلات أو الشيلات (وهي جمع شلة أو شيلة) بأنها "قصيدة شعر من أبيات معدودة مكثفة ومبنية بناء محكما، وتغنى بألحان ومقامات تختلف من منطقة إلى أخرى.

ويقول الإعلامي والباحث في الموروث الشعبي يوسف السليس إن "الشلات ألوان وخليط من الألوان الشعبية، جزء منها العرضة النجدية، والهجيني، والسامري، والمسحوب، والرزفة، والخطوة، بالإضافة إلى ألحان يمنية أدخلت عليها.

فن الشلات في السعودية استفاد من منصات التواصل الاجتماعي وانتشر على نطاق واسع (الجزيرة)

قبول اجتماعي
ومع أن فن "الشلة" نواته شعر شعبي خرج من رحم البداوة واستوطن القبيلة، فإنه وجد في السنين الأخيرة انتشارا جعله يتجاوز محيطه ويدخل ثقافة المدن، ليصبح حاضرا في كل احتفال رسمي أو شعبي أو مناسبة عامة أو خاصة.

ويعزو الناقدون سبب قبوله اجتماعيا وانتشاره الواسع إلى أنه يجمع بين الغناء والنشيد الديني،  وهو كما يقول المشرف على أبحاث مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام بالرياض عبد الرحمن العناد "نتاج تزاوج الإنشاد الديني والغناء الموسيقي، أي أنه في منطقة الوسط، أخذ من الإنشاد الديني تخليه عن الموسيقى، وأخذ من الغناء اللحن والغزل".

كما أسهم في قبوله ارتباط القصائد المنشدة بقيم مجتمعية وقبلية، وكذلك المدح والفخر، لا سيما عند كبار السن ورجال القبائل. وبالتالي بات الناس "لا يرون في الاستماع له أو حتى المشاركة في تأديته شيئا مخالفا للأعراف والتقاليد الاجتماعية"، وفق العناد.

أما أول الميادين التي شهدت عودة الشلات وقدحت شرارتها من جديد فهي المسابقات والمنافسات التي يغلب الطابع البدوي والجماهيري عليها، مثل برنامج شاعر المليون ومسابقات جمال الإبل التي أسهمت في انتشار الشلات، كما استفاد هذا الفن من ثورة شبكات التواصل الاجتماعي.

المنشد حامد الحلافي: بعض الشعراء اتجه لشيلة قصيدته بحثا عن الشهرة (الجزيرة)

اتهامات
وتقوم "الشلة" على شاعر ومنشد ومهندس صوت وأستديو، وتكلفة إنتاج لا تتجاوز 266 دولارا، ومن هنا أصبحت الشلة -في نظر البعض- "مهنة من لا مهنة له"، ومصدر رزق وفير؛ مما دفع بعض الشعراء إلى اللجوء إلى أسلوب الشلة بحثا عن الشهرة.

ويقول منشد الشلات حامد الحلافي للجزيرة نت "توجه بعض الشعراء لشيلة قصيدته بدل الإلقاء حتى تشتهر".

والأس الأكبر في معادلة الشلة هو المنشد؛ فحسب شهرته وصوته يكون أجره، ويزداد كيل بعير مكافأة له، ويقدر الحلافي أجور المنشدين بما بين عشرة آلاف ومئة ألف ريال سعودي (بين 2.666 دولار و26.6 ألف دولار) وأكثر، أما الهبات -خاصة في مدح القبيلة- فقد تفوق ذلك بكثير.

وتُتهم الشلات بأنها تثير النعرات القبلية والمناطقية، لا سيما في حفلات القبائل التي يتسابق فيها المنشدون بالمبالغة في المدح والتفاخر حتى تتناقل قبيلته "شلته" وتحفظها وتنشرها، بحسب رأي العناد.

في المقابل، يرى الحلافي أن "الشلات أسهمت في إذابة النعرات وإصلاح ذات البين بين القبائل، "مستشهدا بالشلات التي أُنشدت في  قضايا العفو من الدم والعتق".

على نحو آخر أسهمت شلات حماسية في بث روح الحماس بين المقاتلين من قوات التحالف في "عاصفة الحزم" التي تقودها السعودية في اليمن حتى نُقلت مقاطع فيديو في ساحات التدريب وعلى الجبهات وهم ينشدون الشلات الشعبية.

ويتوقع متابعون أن يبقى فن الشلات في البلاد ما بقي الشعر، وقد يزداد انتشارا ما دام الجمهور متفاعلا معه، ويعبر عن حاجته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة