المخرج الفلسطيني محمد بكري: يجب الفصل بين السياسة والفن   
الأحد 1/9/1427 هـ - الموافق 24/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:32 (مكة المكرمة)، 21:32 (غرينتش)
المخرج محمد بكري (يمين) يتحدث للجزيرة نت
 
قد لا يختلف اثنان من متابعي أعمال الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري على قدراته الإبداعية في المسرح والمونودراما والتي تجلت أكثر ما يكون في مسرحية "المتشائل" للكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، إضافة إلى إبداعه في مجال السينما والتمثيل.
 
التقته الجزيرة نت على هامش مشاركته بالأسبوع الفني الذي نظمته الجالية الفلسطينية بالنرويج وأجرينا معه الحوار التالي:
 
 
 
ما مراحلك الأولى وكيف كانت البداية؟ 
 
المرحلة الأولى بدأت عندما شعرت برغبة كبيرة لحب التمثيل، فذهبت ودرست المسرح في جامعة تل أبيب، وفي نفس الوقت درست الأدب العربي، لأنه كان لدي حب كبير وشغف عظيم للأدب العربي، وبكل صراحة يمكنني أن أقول إنني وصلت للمسرح من خلال حبي للأدب، كنت متعلقا جدا بالرواية والقصة والشعر العربي، وتحديدا الشعر الجاهلي، المليء بالصور المسرحية.
 
فبدأت بداياتي المسرحية بعرض مسرحية لآرثر ميلر هي "مشهد من الجسر"، ومن أهم الأعمال السينمائية التي أنتجتها في بداياتي كانت فيلم "من وراء القضبان"، "حنا كي" و"الغصن الأبرص"، ثم بدأت بأفلام "حيفا" و"برايفيت" و"تحت أقدام النساء"، أما في المسرح فكانت المتشائل عام 1986. 
 
 
كيف ترى السينما الفلسطينية حاليا؟ وكيف ترى الجمهور السينمائي؟
 
لا تستطيع أن تقول إن هناك شيئا اسمه السينما الفلسطينية كصناعة للسينما والأفلام هناك، ومازالت بعض المحاولات من قبل مخرجين لامعين مثل ميشيل خليفي وإيلي سليمان ورشيد مشهراوي وهاني أبو أسعد وتوفيق أبو وائل وعلي نصار، كل هؤلاء مخرجون بالطبع بتفاوت بين الشخص والآخر، هي محاولات لا بأس بها، محاولات فيها مهنية، محاولة لنقل الصورة الفلسطينية للعالم، وهذا مهم جدا، ولكن ليس عندنا صناعة سينما حقيقية بالمعنى الحقيقي للكلمة، هناك محاولات فردية وكما قلت بتفاوت بينهم. لقد حصل لي أن اشتركت بأعمال سينمائية مع رشيد مشهراوي وميشيل خليفي ومع علي نصار.
 
وقد يكون سبب هذا أنه لا توجد دولة فلسطينية ولا وزارة للثقافة الفلسطينية تعتمد على السينما كشيء أساسي لتربية الأجيال ونقل قضيتنا للعالم، فلو كانت لأصبح هناك أكثر محفزات وتشجيع للسينما.
 
 
ما أهم التطورات التي حدثت في السنوات الأخيرة ومرحلة السلام على الواقع السينمائي في فلسطين؟
 
لا أعتقد أن هناك تأثيرا عميقا على التطورات التي حدثت في السنوات الأخيرة على صعيد السلام على واقع السينما في فلسطين، عمليا الفيلم الوحيد الذي يكون متأثرا بالمرحلة الجديدة هو "الجنة الآن"، الذي أخرجه أبو أسعد وطرح فيه قضية الاستشهاديين كقضية شائكة، وقضية تثير تساؤلات كبيرة بين الأوساط الفلسطينية والعربية والعالمية.
 
لا أظن أن هناك تجربة أخرى متأثرة بشكل مباشر بالوضع السياسي، أعتقد أن التأثير موجود ولكن العمل والإبداع عادة يأتي في وقت متأخر، فلا يمكن لك أن تعمل وتبدع في نفس وقت الحدث، لا بد أن يكون هناك فاصل زمني ومسافة بين الحدث والإبداع، إلا إذا كانت سينما وثائقية أو تسجيلية، تصور الواقع كما هو، هذا شيء آخر، وهذا حدث في كثير من الأفلام الوثائقية التي تحدثت عن الواقع الفلسطيني الآني، ولكن بالسينما الدرامية قلما يحدث بإنتاجها في نفس الوقت ويكون هناك إبداع.
 
 
ولماذا لم ينل فيلم "الجنة الآن" جائزة في حفل الأوسكار الأخير؟ هل المشكلة سياسية في رأيك أم لعدم قدرة السينما الفلسطينية على المنافسة عالميا؟

بالنسبة لـ"الجنة الآن" وللسينما بشكل عام قلما يوجد في المهرجانات العالمية نقاء أو صدق، عادة المهرجانات العالمية فيها أن يمرق الشخص للآخر "حك لي لأحك لك"، وفي أشياء تباع من تحت الطاولة، من تجاربي أرى أن المهرجانات العالمية قلما يكون فيها عدل في توزيع الجوائز، دائما تغلب عليها الأمور السياسية.

وعلى ما أعتقد فإن "الجنة الآن" وقع تحت ضغوط سياسية، ويمكن أن يكون من أفضل الأفلام الخمسة التي بقيت للنهائيات المرشحة، نعم لم أر كل الأفلام، إلا أنني لم أستبعد أن تكون الضغوط الصهيونية والإسرائيلية على لجنة أوسكار هي التي منعت "الجنة الآن" من أن ينال أي جائزة.  
 
ما أهم المعوقات المسؤولة عن عدم انتشار الدراما الفلسطينية عربيا ودوليا رغم سخونة المواضيع وإمكانية التأثير في المشاهد من خلال المعاناة اليومية في الأراضي المحتلة وخارجها؟
 
أعتقد أن أهم المعوقات هي المعوقات المادية والتقنية، والأعمال الفلسطينية -لا أعلم دقيق هذا الكلام- يجب أن ترتقي الأعمال الفلسطينية من محليتها إلى العالمية، وأحيانا المحلي لا يحاكي العالمي، مثلا فيلم "الجنة الآن" هو فيلم محلي لكنه وصل إلى العالمية لأنه وصل بتقنيات عالمية.

عندنا الكوادر الفنية، عندنا القضية والمواهب والممثلون والمخرجون، ولكن كل ما يتعلق بالتقنيات مفقود، وهذا ناتج من كوننا شعبا بلا دولة، وليس لدينا دعم، وليس لدينا مدارس على كفاءة عالية لتخريج الكوادر، هناك محاولات وبدايات في رام الله والقدس وهنا وهناك، ولكن مازلنا في البداية.
 
 
وما مواقفك الفنية من الاحتلال؟ وهل تعتقد أن الفن عموما يستطيع لعب دور مهم في الحياة النضالية أم أنه يبقى موضوعا إنسانيا بعيدا عن الاستغلال السياسي؟ 

أنا أقاوم الاحتلال بالسينما والمسرح طبعا، موقفنا ليس عليه جدال، موقف واضح بأن الاحتلال مرفوض في كل أنواعه سواء كان في احتلال جغرافي أو فكري أو ديني، وكل نوع من أنواع الاحتلال.
 
محمد بكري (الجزيرة نت)
أكيد أن الفن يستطيع أن يخدم سياسيا، ويستطيع أن يخدم قضايانا السياسية، ولكن وجهة نظري يجب أن يكون هناك فصل بين السياسة والفن، فالسياسة يجب أن تكون نتيجة للفن، لا وسيلة أو هدفا، لا تستطيع أن تسيس أفلامنا، أنت تستطيع أن تصنع الأفلام بحس مرهف، بإنسانية عالية، وكلما ابتعدت عن السياسة المباشرة كانت فائدة لأفلامك أكثر من الناحية السياسية.
 
 
كيف يتم التمويل لمشاريعكم الفنية؟ وما  مشاريعكم القادمة؟
 
والله أنا عندي مشكلة بالتمويل، فأنا لست موهوبا في دعم مشاريعي، ممولي في أفلامي هي زوجتي بالطبع من خلال ديون نأخذها من البنك.
 
الدول التي يوجد عندها فائض مثل النرويج الذين يكرسون ملايين الكرونات فقط من أجل النشاطات الثقافية، لأن لديهم مستوى المعيشة عال ولديهم فائض كبير، أما نحن فلا مستوى للمعيشة ولا فائض، الشعب الذي يقبع تحت الاحتلال يعملون مظاهرات من أجل الخبز اليوم، 6 أشهر العاملون لم يأخذوا رواتبهم، فهؤلاء لا يستطيعون أن يفكروا بوضع أموال لصناعة السينما، فهم ينظرون إلى الاكتفاء المعيشي. من أجل ذلك تعتبر السينما من الكماليات لا من الأساسيات التي هي أصلا غير موجودة.
 
أما عن مشاريعي المستقبلية فما زلت أبحث عن نفسي، عندي عدة أفكار ولكن ما عندي مشروع محدد، هناك مشاريع معلقة، والنرويجيون مستعدون بعدما شاهدوا فيلمي "من يوم ما رحت" و"جنين جنين" لتقديم التعاون من أجل صناعة فيلم جديد، ولكنني غير مستعد للتعاون قبل ما أعرف ما هو المطلوب مني، عندي عدة مشاريع وأحتاج بعض الوقت لكي أتخذ القرار الصائب.
 
 
يتهمك البعض بأن الإستشراق جزء مهم من السياق الدرامي للفيلم، كما أنها جزء مهم في تكوين الشخصية الدرامية لك نفسك.. فإنك في بعض الأفلام جسدت خلال فيلمي "حنا لك" للمخرج كوستا غفراس وفيلم الجثة للمخرج جوناث كارد لعبت دورا يساعد على ترسيخ المفهوم الغربي والإسرائيلي للوجود العربي والفلسطيني وإشكالية هذا الوجود.. ما رأيكم؟؟
 
بدون تعليق، ليس عندي ردة فعل، ولكن أقول إن التاريخ وحده الذي سيظهر من هو الاستشراقي من غيره، ما عندي رد فعل على هؤلاء التافهين.
 
 
تتعاطى شخصية محمد بكرى مع القضية الفلسطينية والوجود العربي في السينما العربية والإسرائيلية ضمن ما بات يعرف بـ"مقاومة على طريقة غاندي" رغم أن غاندي لم يكن سلبيا ولم يستكن للاحتلال، ففي فيلم "برايفت" كما يقول الأستاذ تيسير مشارقة أرضيت جميع الأطراف، الفلسطيني والأوروبي والإسرائيلي، وهذا ينسحب على عدة أفلام أخرى لك... أرضيت الجميع ولكنك لم تقنع أحدا.. ما تعليقك؟
 
أرضيت ضميري، ضميري إذا كان راضيا فما يهمني تيسير مشارقة ولا غيره، وأنا راض بضميري، وأنا راض بطريقتي لمقاومتي للاحتلال، هذه المقاومة التي أراها عقلانية، أنا لا أستسلم للاحتلال ما دمت حيا، أحارب الاحتلال بما يمليه علي ضميري، وما تمليه علي أبوتي ومسؤوليتي تجاه بيتي، ليس بيتي الصغير، بيتي الكبير، بيتي فلسطين كلها، أنا أومن أن هذه طريقتي الوحيدة لمكافحة الاحتلال.
 
طبعا أنا أمثل نفسي ولا أستطيع أن أملي هذه النظرية أو الفلسفة في مقاومة الاحتلال على ابن المخيم، لأن ابن المخيم الذي يعيش في جباليا أو بعين الحلوة نظريته السياسية تختلف عن نظريتي السياسية، أنا أعيش داخل الخط الأخضر، مقاومتي للاحتلال تختلف، أنا لا أقاوم الاحتلال الموجود في الضفة، أنا أقاوم الاحتلال الصهيوني، أنا أقاوم الفكر الصهيوني، أنا أقاوم الدولة اليهودية التي تحاول أن تملي علي شروط مواطنة لا أقبلها، أنا أحارب الثقافة، أنا أحارب السياسة.


_____________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة