"عنوان الشرف الوافي" حكاية سبق مدهش   
الأحد 18/11/1434 هـ - الموافق 22/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 10:58 (مكة المكرمة)، 7:58 (غرينتش)
غلاف الطبعة الأخيرة من كتاب "عنوان الشرف الوافي" لإسماعيل بن المقري (الجزيرة)
عبد الغني المقرمي-صنعاء
 
من المؤكد أن الصحفي البريطاني آرثر وين (1862- 1945) لم يكن يعلم وهو ينشر أول تجربة في الكلمات المتقاطعة يوم 21 ديسمبر/ كانون الأول 1913 بصحيفة (نيويورك وورلد) أن عالِماً عربيا قد سبقه إلى اختراع (العلوم المتقاطعة) بحوالي خمسة قرون، وأن كتابا فريداً قد مثّلَ سابقةً كبرى بهذا المجال، هو كتاب "عنوان الشرف الوافي" لعالم اليمن "إسماعيل بن المقري".
 
التقى وين وابن المقري في فكرة استثمار البعدين الأفقي والرأسي في خلق قوالب لغوية تتقاطع فيما بينها بشكل هندسي متلائم، وبينما وضع وين لفكرته حيِّزا مكانيا محدودا متمثلا بعدد من المربعات المتراصّة، وحيّزا لغويا متمثلا بما يتأتى له من كلمات. كان ابن المقري يفتح حيّزه المكاني واسعا لعشرات الصفحات، وحيّزه اللغوي لخمسة علوم مختلفة هي الفقه والعروض والتاريخ والنحو والقوافي.
 
والمقري هو إسماعيل بن أبي بكر المقري (754هـ/ 1353م - 837هـ / 1433م) ولد بقرية (أبيات الحسين) قُربَ مدينة زبيد اليمنية، وعاش، وتوفي في زبيد. كان عالما شاعرا ألف ما يزيد على 15 كتابا في علوم مختلفة، وعاصر الملك الرسولي إسماعيل بن العباس الذي أكرمه وعينه مدرساً في عدد من المدارس بمدينتي زبيد وتعز.
 
منصور: هندسية الكتاب وَسَمتْه بطابع موحّد بكل طبعاته (الجزيرة)
علوم وتقسيمات
طُبِعَ "عنوان الشرف الوافي" لأول مرة بالهند عام 1272، وصدرت طبعته الأخيرة عن مكتبة الإرشاد بصنعاء أواخر العام الفائت، ويمكن القول إن علم الفقه هو المادة الرئيسية للكتاب، وذلك حين تقرأ سطوره بطريقة القراءة العادية (الطريقة الأفقية) وحين يركّز القارئ في التقسيمات الرأسية يجد الصفحة مقسّمة إلى حقول سبعة، تفصل بينها خطوط عمودية واضحة.
 
وقد أعمل المؤلف الحقول الفردية وهي رفيعةٌ، وأهمل الزوجية وهي غليظةٌ، فبينما تمثل محتويات الحقل الأول علم العروض، تمثل محتويات الحقل الثالث علم التاريخ، كما يمثل الحقلان الخامس والسابع على التوالي علمي النحو والقافية، ويتنوع محتوى الحقل بالسطر الواحد ما بين حرف أو حرفين أو ثلاثة حروف، ونادرا ما يكون كلمةً مكتملة.
 
وبذلك يمكن القول إن علم الفقه كان له الحضور الأكبر على مستوى الصفحة الواحدة ، بينما لا يتجاوز نصيب العلوم الأخرى بضع كلمات قد تتجزأ الأخيرة منها بين الصفحة والصفحة التالية لها.
 
هذه الحدّية الهندسية وسمت الكتاب –وفق محمد حمود منصور صاحب مكتبة الإرشاد- بطابع موحّد بجميع طبعاته، فالكلمات التي تبتدئ وتنتهي بها السطور محدّدة، ومن ثم فإن سطور الكتاب بجميع الطبعات موحّدة العدد (2564 سطرا) بل إن عدد السطور بكل صفحة 23 سطرا بجميع الطبعات، مما جعل عدد صفحات الكتاب الفعلية 111 صفحة ونصف الصفحة بمختلف الطبعات (مع أن التفاوت هنا ممكن).
 
ويؤكد منصور في حديثه للجزيرة نت أن الكتاب مطلوبٌ من النخبة المثقفة كتحفة لا أكثر، مؤكدا أن الطبعات الأخيرة راعتْ أمورا فنية كثيرة، كنوع الورق، وتلوين الحقول الحية، والاهتمام بالغلاف، وتصغير الكتاب إلى حجم مقبول 28-20 سم.
 
وأهمية الكتاب لا تكمن في قيمته العلمية، وإنما بطريقة تأليفه.. هذا ما يشير إليه د. عبد الرحيم قحطان الباحث بالعهد الرسولي، للجزيرة نت، ذلك أن المحتوى العلمي للكتاب –وفق رأيه- يمثل مختصرات مقتضبة تحقق المستوى الأدنى من الإفادة، لكنها لا تشبع رغبة الباحث في تقصي جوانب أي من العلوم التي تضمّنها الكتاب.
 
ويؤكد قحطان أن الهندسية التي قام عليها الكتاب لم تلجئ المؤلف إلى استدعاء ألفاظ قاموسية وغريبة، فقد كانت لغة الكتاب سهلة وواضحة.
 
الشميري: فكرة كتاب المقري ولدت بأحضان الشعر (الجزيرة)
في أحضان القصيدة
ويؤكد د. عبد الولي الشميري الذي ناقش شعر العهد الرسولي برسالته للدكتوراه، للجزيرة نت، أن فكرة هذا الكتاب وُلدت بأحضان الشعر، فابن المقري اشتهر بداية بتلك القصائد التي حشد فيها عجائب البديع كقوله:
 
لم أسْتطعْ إنْها التي انهلّتِ  من أدْمعي تلكَ التي ولَّتِ
ومقلة شهلاءُ مكحولةٌ   للهِ ما أشهى التي اشهلّتِ

ثم تطورت الهندسة الشعرية لديه بعد ذلك إلى ما هو أبعد، حيث كتب قصائدَ إذا قُرِئت كلمات أبياتها طَرْدا كانت مدحا، وإذا قُرئتْ عكْسا كانتْ ذما، كقوله:

طلبوا الذي نالوا فما حُرِموا    رُفِعتْ فما حطَّتْ لهم رُتبُ
وهبوا وما تمَّتْ لهم خلقٌ        سلِموا فما أوْدى بهم عَطَبُ
جلبوا الذي نرضى فما كسدوا   حُمِدتْ لهم شِيَمٌ فما كسبوا

وتقرأ الأبيات عكسا على هذا النحو:

رتب لهم حطّتْ فما رفعت     حُرموا فما نالوا الذي طلبوا
عَطبٌ بهم أودى فما سلموا    خلق لهم تمّت وما وهبوا
كسبوا فما شيم لهم حمدتْ     كسدوا فما نرضى الذي جلبوا

وبوحي من كتاب لمعاصره "المجد الشيرازي" ألفه للملك "إسماعيل بن العباس" وبدأ كل سطر من سطوره بحرف الألف، نقل ابن المقري هذه التجربةَ إلى النثر، فكان كتابه "عنوان الشرف الوافي" الذي قضى في بنائه وتأليفه مدة طويلة، وأنجزه عام 804هـ، ويومها كان الملك قد توفي، فخلفه على الملك ابنه "(أحمد بن إسماعيل" الذي احتفى بالكتاب وأكرم صاحبه جزيلا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة