مثقفون سوريون يدقون باب الحرية   
الثلاثاء 30/5/1432 هـ - الموافق 3/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:38 (مكة المكرمة)، 14:38 (غرينتش)

ناشطون من منظمة مراسلون بلا حدود يتظاهرون في باريس ضد الحكومة السورية (رويترز)

الجزيرة نت-خاص

رغم الرقابة الكثيفة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، يقيم مثقفون سوريون داخل وطنهم دون خوف منها، ويباركون للشهداء وينددون "بالقمع" التي تمارسه السلطة، وإن لم يبشروا برحيلها كما فعل زملاؤهم المقيمون في الخارج.

الأشعار والأفكار والأغاني وسائل المثقفين للتعبير عما يجري، فتتداول قصائد الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط التي يضعها كتّاب سوريون في صفحاتهم على فيسبوك، إذ تبدو تلك الأشعار معبرة عن الاحتجاجات الشعبية التي تسود بلادهم منذ منتصف مارس/آذار الماضي.

"لا تنحنِ لأحد مهما كان الأمر ضرورياً, فقد لا تواتيك الفرصة لتنتصب مرة أخرى!"، ليست العبارة الوحيدة للماغوط، فهناك مقاطع أخرى له مثل:
عندما أتعب
أضعُ رأسي على كتفِ قاسيون وأستريح
لكن
إذا تعبَ قاسيون
على كتفِ من يَضع رأسه؟

حديدي: لا يسهل إقناع الأم بأن شهيدها سقط صريع دبابة أطلقت قذيفتها في درعا
(الجزيرة-أرشيف)
الحرية الحمراء
بجوار أشعار الماغوط، كان الفنان السوري بشار زرقان يغني لحرية شعبه، مستعيرا قصيدة أحمد شوقي الشهيرة "سلام من صبا برَدى"، في مقاربة للثورة السورية ضد المستعمر الفرنسي التي تغنى بها أمير الشعراء قبل أكثر من ثمانين عاماً، ليصدح زرقان اليوم "وللحرية الحمراء بابٌ بكلِ يدٍ مضرجةٍ يُدقُّ".

الناقد السوري المقيم في باريس صبحي حديدي كتب في صفحته على فيسبوك "لا يسهل دائماً إقناع الأم الثكلى بأن شهيدها سقط صريع دبابة أطلقت قذيفتها في درعا، في حين أن الشعب السوري بأسره سدّد -من عرقه وخبزه كفاف يومه- ثمن هذه القذيفة لكي تُطلق في الجولان المحتل. عزاء تلك الأم أن بصر الشعب في مقابل دبابة طبيب العيون لم يعد حسيرا أبدا، ولم يعد بحاجة إلى فحص؛ لقد رُفع عنه الغطاء، فبصره اليوم حديد!".

"البندقية" أو "القذيفة" التي رصدت للجولان أربعين عاماً، لكنها أطلقت في اتجاه آخر، لم يتوقف عندها حديدي وحده، إنما ذكرتها أغلب البيانات التي وقع عليها مثقفون عرب ضد قمع النظام السوري، وكان آخرها بيان لمثقفين أردنيين أكد أنه "ليؤلمنا ويزلزل أرواحنا أن نرى دم أشقائنا السوريين بالذات وهو يسفك بلا أدنى رحمة، من قبل نظام طالما حسبنا أنه عروبي وتحرري ومنحاز إلى نهج المقاومة".

"
سيرحلون واحداً إثر آخر يَلُفُّهم المقت والاحتقار.. سيرحلون مثل كائنات منقرضة إلى مزابل التاريخ: طُغاتنا الصغار التعساء
"
"أكذوبة الإصلاح"
المفارقة تزداد ألما، عندما يلفت المثقفون السوريون إلى أن "وعود الإصلاح" كانت تطلق في اللحظة نفسها التي كان فيها قمع النظام السوري يزداد، إذ يدوّن حديدي في الصفحة ذاتها "في انتظار أن تفرض الانتفاضة الشعبية شروط انتقال سوريا إلى حال ديمقراطية حقة وحقيقية، فإن رفع حال الطوارئ في ذاته لن يرفع حال الاستبداد، ولن يجبر الحاكم على التنحي أمام إرادة المحكوم؛ ليس دون ثورة شعبية عارمة تكتمل وتتكامل كل يوم، فلا تجمّل السطح والمظهر، بل تُصلح في العمق، من جذور الجذور!".

وحول تغيير وزير الداخلية في تشكيلة الحكومة السورية الجديدة برئاسة د. عادل سفر، يكتب الشاعر السوري المقيم في دمشق خضر الآغا أن "رياض الشعار.. يعني تغييرا بالديكور، الخزانة محل الكنبة والسرير محل الخزانة.. تتهنوا".

ويبدي الآغا تشاؤماً من الحال التي تعيشها بلاده فيقول "بعد كل هذا الدم الذي سال في الشوارع، ماذا يمكن للشعر أن يقول؟ وماذا تقول الثقافة؟ وكيف يكتب الكتاب؟"، وفي موقع آخر بصفحته على فيسبوك يضع العبارة التالية "شهداء، شهداء، شهداء.. والقافلة -كما يبدو- مستمرة (!!!)".

قناصة فيسبوك
"تشاؤم" الآغا يقابله تفاؤل لدى الشاعرة السورية المقيمة في باريس مرام المصري، فتكتب في صفحتها أن "التاريخ أثبت وسنثبت اليوم أو غدا بأن الشعب هو المصير"، وتوجّه الدعوة التالية إلى من يعارضون وجهة نظرها "إلى كل الأصدقاء الذين هم ضد موقفي المتضامن مع الشعب السوري -شعبي- الذين حذفوني والذين يهددوني.. أقول: إنهم سيدركون عاجلاّ أن الشهداء ماتوا لأجلهم ولأجل أولادهم أيضا، لأجل سوريا عادلة وديمقراطية".

أما الكاتبة السورية سعاد جروس فقد أظهرت موقفا مغايرا، فهي تقف مع المتظاهرين، لكنها تعتقد كذلك بوجود مؤامرة تحاك ضد بلادها، وتوضح ذلك بقولها "شكل الألماس يلبق للشعب السوري الطيب الصابر الذي واجه لعقود طويلة كل ما حيك من مؤامرات على بلده وبلاد العرب، ووقف وقفة رجل واحد عام 2005، وسارع عام 2006 لنجدة لبنان مترفعا عن كل ما تعرض له من إساءات، وتحمل ما لا يحتمل من فاسدين سرقوا قوت يومه.. هذا الشعب الحر يستحق أن يرصع جبينه بالألماس، لا أن يتهم بالخيانة و يزرع في قلبه الرصاص".

وتتشكك جروس من اختلاف طريقة تعامل رجال الأمن السوريين مع المواطنين، فتسجل رأيها تالياً "88 شهيدا حصيلة يوم الجمعة العظيمة أغلبهم من حمص وريف دمشق ودرعا، يجعلنا نسأل: أليس غريبا أن يستخدم الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين في مناطق، وفي مناطق أخرى يكتفى بالقنابل المسيلة للدموع ورشاشات المياه ولا تطلق رصاصة، وفي مناطق ثالثة لا يسجل احتكاك مع المتظاهرين وتمر المظاهرات دون عنف.. هل من تفسير منطقي.. غير روايات الإعلام الرسمي المثقوبة؟".

مرام المصري: التاريخ أثبت وسنثبت اليوم أو غدا أن الشعب هو المصير (الجزيرة نت-أرشيف)
جروس تنبه إلى وجود قناصة فيسبوك هناك "يعتلون أسطح التعليقات ويقومون بقنص كل من يدلي برأي مخالف بكلام مسف وشتائم وتهديد لا يمت للغة الحوار بصلة، بزعم الحرص على أمن ووحدة الوطن".

أتعس من طاغية
بعيدا عن قناصة فيسبوك الذين يؤازرون قناصة آخرين على أسطح البيوت في المدن السورية، يكتب الروائي السوري خليل النعيمي نبوءته "سيرحلون واحداً إثر آخر يَلُفُّهم المقت والاحتقار.. سيرحلون مثل كائنات منقرضة إلى مزابل التاريخ: طُغاتنا الصغار التعساء (فليس ثمة أتعس من طاغية)".

ويضيف "لا تستَعْجلوهم الرحيل.. دعوهم يستوعبون الكارثة.. وتمتَّعوا بمرأى غطرستهم الكاذبة، وتماسكهم المهزوز.. دعوهم يتجرَّعون كأس الاندحار المرير، وهو أشدّ مرارة لأنه أتى ممن لم يكونوا يتصورون أنهم جديرون بدحرهم، وبهذه الطريقة: بالصوت والصورة، وعلى مرأى من العالم أجمع".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة