المغرب يستعيد ذاكرة الروائي إدريس الشرايبي   
الاثنين 27/12/1435 هـ - الموافق 20/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:03 (مكة المكرمة)، 13:03 (غرينتش)

إبراهيم الحجري-الجديدة

نظم المركز الفرنسي بالجديدة المغربية ندوة ثقافية لاستعادة ذاكرة الكاتب المغربي الراحل إدريس الشرايبي نهاية الأسبوع المنصرم، شارك فيها عدد من المتخصصين في الدراسات الأدبية الفرنكفونية.

وحضر الندوة كل من عبد العالي الرهوني، وعزيز هودزي، وسعيد لوكيلي، وبعض أصدقاء طفولة الشرايبي، وكذا زوجته الفرنسية السيدة شيرا الشرايبي، وسعيد بلمبخوت مترجم رواية "الحضارة أمي" في حلة ثانية صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة والفنون بالكويت، وغيرهم من المهتمين والباحثين.

وتضمنت المداخلات قراءات في أعمال الراحل التي فاقت العشرين، وشهادات حول مساره الإبداعي والإنساني توجت بإطلاق اسمه على المكتبة الوسائطية للمركز كشهادة عرفان من المدينة التي عشقها طيلة حياته.

وكان محور هذه الندوة -التي نظمت في المدينة التي ولد بها الشرايبي وقضى فيها طفولته وظلت الأقرب إلى قلبه، بالرغم من قضائه ثلثي عمره في بلاد الغربة بعيدا عنها- حول ذاكرة المكان في كتابات الشرايبي وتفكيره وحياته الاجتماعية، بحكم أن الفضاء كان موجِّهًا قويا في تجربته الكتابية، مثلما كان ولعه بالسفر والتنقل عنصرا مؤثرا في تخصيب رؤيته للعالم وأسلوبه في السرد والكتابة.

الراحل إدريس الشرايبي ترك بصمته الإبداعية وظل وفيا لوطنه رغم الغربة (الجزيرة)

قطران الهجرة
رأى إدريس الشرايبي النور في 15 يوليو/تموز 1926 بمدينة الجديدة في الشمال الغربي للمغرب، التي فضلها على كل ما زاره من أمكنة ومدن نظرا لطابعها الجغرافي والثقافي وموقعها البحري الساحر، وكان لها أثر عليه باعتبارها مسقط الرأس والتربة التي تشكلت فيها هويته الإنسانية والحضارية، قبل أن ترمي به المصائر إلى التنقل بين جغرافيات مختلفة.

وتلقَّى إدريس تعليمه بالكُتَّاب في الجديدة قبل أن ينتقل إلى الدار البيضاء لمتابعة دراسته في "ثانوية ليوطي"، فيرحل بعدئذ إلى فرنسا عام 1946 لاستكمال دراسته في تخصص الكيمياء، ويكون بذلك أول مهندس مغربي يحصل على دبلوم الدراسات العليا في الهندسة الكيميائية سنة 1950.

لكن الشرايبي سرعان ما ضاق ذرعا بوظيفته كمهندس، فغادرها دون إحساس بالأسى، وهاجر من جديد إلى فرنسا ليتابع دراسات متقطعة في الطب النفسي.

وعاش خلال هذه الفترة حياة صعبة في التسكع والمعاناة، حيث اضطر أن يعمل حارسا ليليا، وحمَّالا، فعاملا في أحد المصانع ثم مدرسا للغة العربية، ومنتجا في الإذاعة الفرنسية، فمدرسا للأدب المغربي في جامعة لافال بكندا، قبل أن يعود إلى فرنسا التي توفي فيها سنة 2007.

جانب من الحضور في ندوة إدريس الشرايبي بالجديدة في المغرب (الجزيرة)

وبالرغم من كون الشرايبي عاشقا للسفر والتنقل بين الجغرافيات والأمكنة، قبل أن ينتهي به المقام في فرنسا، لم تستطع المسافات إلهاءه عن التعلق بوطنه الذي حمله معه في قلبه، وظل يُسكنه وجدانه، حيثما ساقته الأقدار.

وذلك ما عبر عنه بلمبخوت مترجم "الحضارة أمي" -في تصريح خاص بالجزيرة نت- حينما أكد أن الشرايبي بات يحمل عشقا مقدسا للأمكنة الأولى التي رافقت طفولته، ووشمت في ذاكرته وشخصيته، إذ لا تكاد تخلو واحدة من رواياته من الشعور بالانتماء للمغرب والجغرافيات التي انبثق فيها وجوده، والغريب أنه بقدر ما تتسع المسافات بينه وبين هذه الأمكنة، يزداد اتصالا بها عبر التخيل واشتغال الذاكرة والكتابة عنها.

من جهتها، قالت شينا الشرايبي أرملة الروائي إن الفقيد ظل مرتبطا بالثقافة المغربية وبخصوصياتها، سواء من حيث إصراره على أن يكون تصميم البيت مغربيا، وموقع المدينة التي يقطن فيها شبيهة بموقع الجديدة على ساحل المحيط الأطلسي، أو من حيث الأسماء التي اختارها لأبنائه، أو وجبات الأكل التي ظل الكسكسي والحريرة والطاجين من مرتكزاتها، أو من حيث الموسيقى التي ظل يستأنس بها خلال لحظات استرخائه ولحظات كتابته، والمناسبات التي كنا ننظمها، مثلما ظل يعشق الاستماع للقرآن.

شينا أرملة الشّرايبي تكشف جوانب من تمسكه بأصالته وتراثه (الجزيرة)

كتابة مشاكسة
عرف إدريس الشرايبي في بدياته بالكاتب المزعج الذي هاجم في كتاباته الروائية الأولى التقاليد المغربية العتيقة وجعلها مادة طيعة لسخريته اللاذعة.

واعتبر أن الاستعمار في احتكاكه المباشر بالشعب المغربي مدعاة للتفاؤل لأنه احتكاك سيقود المجتمع إلى خلع جبة التخلف والنهوض على جميع المستويات ونفض غبار الانغلاق، الشيء الذي ولّد له مشاكل مع الحركة الوطنية المتنورة التي رأت في أعماله تنكرا للهوية والوطنية.

غير أن انفتاح النقد المغربي مبكرا -بحسب ما أدلى به المترجم سعيد بلمبخوت- على المحيط الخارجي وتسلحه بأدوات حديثة رفع عن الشرايبي هذا الالتباس، وميز بين حبه المقدس للوطن واختياره لنهج الكتابة الساخرة التي تهاجم مواطن العلة في أساليب التفكير ومعيقات التغيير المجتمعي التي كان يعانيها وطنه.

وأكدت السيدة شينا أن الراحل ظل متمسكا بمغربيته، رغم ابتعاده الطويل عن وطنه، شديد الحنين إلى بيئته الثقافية. وكان ينطلق من المغرب كمركز ليحلق بالعالم متحررا من كل الحدود باحثا لكتابته عن أفق إنساني رحب، وما كان ينسى أبدا في خضم انشغالاته الثقافية التزاماته الإنسانية والاجتماعية نحو أسرته ووطنه، بل ظل موصول البال بالتحولات المجتمعية التي تتحقق داخله بالتدريج.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة