إحياء التقاليد الأكاديمية العربية القديمة   
الأربعاء 15/11/1437 هـ - الموافق 17/8/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:26 (مكة المكرمة)، 14:26 (غرينتش)

عبد القادر الكاملي

تختلف المنظمات الدولية في تسميتها لأقدم الجامعات في العالم، لكن تتفق منظمة اليونسكو وموسوعة غينيس للأرقام القياسية العالمية على أن أقدم جامعة في العالم منحت درجات علمية لطلابها هي جامعة القرويين التي أنشئت عام 859 ميلادي في مدينة فاس في المغرب. وتشير جهات عالمية عديدة إلى أن جامعة الزيتونة في تونس التي أنشئت عام 737 ميلادي وجامعة الأزهر في القاهرة التي أنشئت عام 970 ميلادي، هما من أقدم الجامعات التي ظهرت في العالم.

الجامعات العربية حاليا
لاشك أن الاهتمام بالتعليم تزايد في الأعوام الأخيرة خاصة في بلدان مجلس التعاون الخليجي، كونه نقطة العبور نحو مجتمع المعرفة. ولتقدير مستوى الجامعات العربية حاليا تابعنا التصنيفات التي تصدرها العديد من الجهات العالمية سنويا للجامعات في كافة البلدان. ولاحظنا أن أكثر التصنيفات قبولا على المستوى العالمي هو التصنيف الذي يعده معهد التعليم العالي في جامعة جياو تونغ شنغهاي الصينية.

ظهرت أسماء أربع جامعات سعودية وجامعة مصرية واحدة ضمن الجامعات الخمسمئة الأفضل على المستوى العالمي

ظهرت أسماء أربع جامعات سعودية وجامعة مصرية واحدة ضمن أسماء الجامعات الخمسمئة الأفضل على المستوى العالمي، وفق التصنيف المذكور لعام 2016. 

فجاءت جامعتا الملك عبد العزيز والملك سعود ضمن الجامعات المئة والخمسين الأولى، وجاءت جامعة الملك عبد الله ضمن الجامعات الثلاثمئة الأولى، وجامعة الملك فهد ضمن الجامعات الأربعمئة الأولى، بينما احتلت جامعة القاهرة ترتيبا متأخرا، إذ وقعت ضمن المئة الأخيرة.

استخدمت الدراسة معايير عديدة لقياس أداء الجامعات، شملت كمية البحوث المنشورة في دوريات معترف بها دوليا، وعدد الباحثين المعروفين بأدائهم المميز، وعدد الحائزين على جوائز نوبل، والميداليات التخصصية الأخرى بين أعضاء الهيئة التدريسية، ومستوى الأداء الأكاديمي قياسا إلى حجم الجامعة.

العرب وإسرائيل
صحيح أن قائمة أفضل خمسمئة جامعة تضمنت 43 بلدا فقط، منها بلدان عربيان، وهو ما قد يعتبره البعض أمرا إيجابيا، لكن إذا تذكرنا أن أقدم ثلاث جامعات في العالم أنشئت في بلدان عربية، فلا بد أن نعترف بأن العرب أخفقوا في البناء على التقاليد الأكاديمية العريقة التي أسسوها قبل أكثر من ألف عام. ولا يمكننا أن نبرر هذا الفشل بالفترات الاستعمارية، والصراعات السياسية والحروب التي تعاني منها البلدان العربية منذ عقود بل وقرون، على الرغم من أن هذه الأحداث لعبت دورا سلبيا في هذا المجال.

كانت إسرائيل دائما دولة عسكرية وفي قلب الصراع مع العربي الإسرائيلي، وعلى الرغم من ذلك ظهرت خمس جامعات فيها ضمن قائمة أفضل خمسمئة جامعة في العالم

لقد كانت إسرائيل دائما دولة عسكرية، وفي قلب الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى الرغم من ذلك ظهرت خمس جامعات فيها ضمن قائمة أفضل خمسمئة جامعة في العالم، من بينها اثنتان جاءتا ضمن أفضل مئة جامعة، وهو إنجاز يفوق ما حققته البلدان العربية مجتمعة.

وبدون أن ندخل في مقارنات مطولة بين البلدان العربية وإسرائيل، نستطيع القول إن إخفاق البلدان العربية يعود أساسا إلى عدم الاهتمام بنوعية التعليم العالي، إضافة إلى سوء التخطيط والتنفيذ، فالجامعات القائمة على البحث العلمي، لم تكن أبدا ضمن أولويات الحكومات العربية التي لم تعر يوما اهتماما جديا للبحث العلمي ودوره في تطوير الاقتصاد.

ويضاف إلى ذلك أن المؤسسات الأكاديمية ذاتها لم تبذل جهودا كبيرة لتطوير البحث العلمي في مجالات مطلوبة محليا، وهو أمر نراه ممكنا على الرغم من مواردها المحدودة. ونعتقد أنه لو حدث هذا لساعد على جذب التبرعات من الصناعات المحلية، إن لم يكن من الحكومات.

تغير الصورة
ولابد أن نشير هنا إلى أن تغيرا في هذه الصورة بدأ يحدث في بعض البلدان الخليجية حيث تمكنت جامعة الملك عبد العزيز في السعودية من احتلال المرتبة السادسة عالميا في فرع الرياضيات والمرتبة 27 عالميا في فرع الحاسوب وفق التصنيف السابق لعام 2015، بينما حققت قطر تقدما كبيرا في التعليم العام حيث جاءت في المرتبة الثانية عالميا في مستوى جودة النظام التعليمي العام المدرج ضمن مؤشر الجاهزية الشبكية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي ومعهد إنسياد الأوروبي وجامعة كورنيل الأميركية عام 2016.

المطلوب من المؤسسات الأكاديمية العربية أن تتحول من بيئة ترتكز على طريقة التعليم التقليدية، إلى بيئة ترتكز على التعلم التفاعلي، وتلبي متطلبات مجتمع المعرفة

المطلوب من المؤسسات الأكاديمية العربية، إن أرادت المساهمة في انتقال بلدانها نحو مجتمع المعرفة، أن تتحول من بيئة ترتكز على طريقة التعليم التقليدية، إلى بيئة ترتكز على التعلم التفاعلي، وتلبي متطلبات مجتمع المعرفة المتمثلة في ضرورة إنجاز الانتقالات الثلاثة التالية:

1- الانتقال من التعليم إلى التعلم أي أن يصبح الطالب هو محور العملية التعليمية، والمدرس مرشد وموجه، بعد أن ثبت علميا أن المعرفة لا تعطى من قبل المعلم، بل تصنع من قبل المتعلم.

2- الانتقال من البحث العلمي إلى الابتكار أي عدم الاكتفاء بتوليد معرفة جديدة من خلال البحث العلمي، بل والعمل على إنتاج سلع وخدمات جديدة مبنية على تلك المعرفة.

3- الانتقال من خدمة المجتمع إلى الانخراط بالمجتمع من خلال بناء علاقات مستدامة معه تهدف إلى وضع رؤية إستراتيجية موحدة وخطة عمل تلبي مصالح المجتمع.

أخيرا، يعتبر التعليم ركنا أساسيا من أركان مجتمع المعرفة، لأن إنشاء وتبادل واستخدام المعرفة يتطلب وجود مواطنين على مستوى متقدم من التعليم. فهل نعمل على إحياء التقاليد الأكاديمية العربية القديمة ونطورها؟
_______________
*مستشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة