إنفلونزا الخنازير.. حدود الواقع والخيال   
الأحد 1430/5/15 هـ - الموافق 10/5/2009 م (آخر تحديث) الساعة 21:42 (مكة المكرمة)، 18:42 (غرينتش)
فصل دراسي بالكمامات في مدينة ميدلين الكولومبية قبل ستة أيام (الفرنسية)
 
                                                                 إلياس تملالي

في وقت كانت منظمة الصحة العالمية تتحدث عن وباء عالمي قد تسببه إنفلونزا الخنازير يصيب ملياري شخص، كان جاكوب زوما يؤدي اليمين رئيسا لجنوب أفريقيا، وكان أحد تحدياته الكبرى وقف مرض اسمه نقص المناعة المكتسب يقتل ببلده ألف شخص يوميا، ومع ذلك بدا أن العالم قد نسي الآن هذا الداء وأدواء فتاكة أخرى، لتنشغل وسائل الإعلام بإنفلونزا الخنازير.

في رسالة إلى نيويورك تايمز قبل ثلاثة أيام كتبت قارئة ألمانية أن المشكل الأكبر تغطيةٌ إعلامية لإنفلونزا الخنازير مبالغ فيها، وذكّرت بأن وسائل الإعلام كتبت كثيرا عن الالتهاب الرئوي الحاد سارس وإنفلونزا الطيور، ثم اختفت هذه القصص فجأة ونسيت.

ويلاحظ الكاتب روبرت ماكي بمقال في نيويورك تايمز أن حديث مسؤولي الصحة العامة نهاية الشهر الماضي عن وباء عالمي وشيك، تبعه توضيح أن لفظ وباء سيستعمل حتى إذا تبين أن الفيروس يسبب أعراضا بسيطة، والسؤال "كم يجب أن يصرخ إنسان عاقل (أو يهمس) أن حريقا قد يقع في مسرح مكتظ؟" والجواب جاهز بالنسبة لوسائل الإعلام التي تنظر إلى العالم بمنظار الصحافة الصفراء.
"
لم يتصرفون كما لو أن كل حالة (حتى لو لم تكن قاتلة) تعني أننا على أبواب الطاعون الدبلي؟
"
لم القلق؟

ويقول ماكي إن كثيرين من غير المختصين وجدوا التغطية مثيرة للبس، وها هو قارئ يتساءل في مدونته "لم كل هذا القلق؟ كل شتاء تقتل الإنفلونزا عشرات الآلاف! لم يتصرفون كما لو أن كل حالة (حتى لو لم تكن قاتلة) تعني أننا على أبواب الطاعون الدبلي؟".
 
هل يحق مثلا لصحيفة إلباييس الإسبانية أن تعنون "إنفلونزا الخنازير ستضرب أربعة من كل عشرة أوروبيين؟ دون أن تحدد بالعنوان أن الأمر يتعلق بتقدير أو تذكر من قدمه، وكأنه تقديرها هي، كما تلاحظ ميلاغروس بيريز أوليفا محامية القارئ التي تكتب في قسم المجتمع بالصحيفة "إن 40% من الأوروبيين سيصابون" ثم في مكان آخر "لا داعي للخوف" لتكون مثالا عن فن التضليل والتراجع حسب تعبير الكاتب بنيامين فوركانو: التضليل بالحديث عن خطر انتشار الإنفلونزا وأكيديته، ثم التراجع بالحديث عن إنفلونزا غير خبيثة.
 
وتقول ميلاغروس إن القراء يمتدحون حرص الإعلام على تقديم المعلومات لكن يشتكون كثرة الرسائل المتضاربة والعناوين المبالغ فيها، وتتساءل "أمضطرون أن نقدم حقائق مطلقة حتى إن لم توجد؟" لتذكّر بمشكل آخر هو صعوبة إضفاء المصداقية على المصادر عندما يتعلق الأمر بتقديرات، فوسائل الإعلام لتزيد مأمونية معلوماتها، ترفع مرتبة مصدرها، لكن ليس الشيء نفسه أن يتحدث خبيرٌ من الصحة العالمية وننسب نحن كلامه إلى المنظمة، خاصة في وضع اللاشك هذا.
 
وباء اللامصداقية
وتذكر ميلاغروس كيف أن إلباييس كتبت بصفحتها الرئيسية يوم 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 "أن فيروسا متحورا لإنفلونزا الطيور سيظهر في آسيا.. وسيكون الرسول الناقل إلى بقية العالم ليس طائرا لكن طائرة. هذا ما تعرضه منظمة الصحة العالمية في خارطة طريق". لكن النبوءة لم تتحقق حتى الآن.. وما انتشر فعلا كان "وباءَ اللامصداقية".
 
لكن رئيس قسم المجتمع في إلباييس يقول إن من الواجب تقديم المعلومات الكافية لشرح الإنذار الصحي، بكل فروق المعاني اللازمة ومع محاربة الميل لإثارة الهلع، وارتفاع الدخول على موقع الصحة يؤكد حسبه وجود طلب كبير على المعلومات، وهي معلومات من الواجب تقديمها عندما تتحدث منظمة الصحة عن وباء وشيك، وتعلن الولايات المتحدة الطوارئ الصحية، وتُشلّ مدينة مثل نيو مكسيكو.
 
سعار آخر
آخرون يرون سعارا من طبيعة أخرى: سعار وسائل الإعلام التي تحاول صناعة عناوين، تحديدا بالتحذير مما تراه هوسا إعلاميا مبالغا فيه، كما كتب الطبيب البريطاني بن غولداكري في صحيفة غارديان الخميس مدافعا عن التغطية الإعلامية لما يراها أولى مراحل وباء خطير سيتفشى.
 

"
الخطر خطرٌ وإن لم يتجسد، فأنا لم تدهسني سيارة أبدا لكن ليس سخفا أن أفكر في الاحتمال
"
الطبيب البريطاني بن غولداكري

ويقر غولداكري بوجود إثارة في تغطية وسائل الإعلام "لكنها لم تقل أشياء خاطئة". ويضرب مثلا بقنوات كالجزيرة الإنجليزية وبي بي سي، اتصلت به متوقعة منه أن يقول إن وسائل الإعلام تبالغ في الحديث عن الخطر.
إن علم أوبئة الأمراض المعدية شيء دقيق، وهامش الخطأ في نماذجه كبير (يقول غولداكري) لكن الخطر خطرٌ وإن لم يتجسد، فـ "أنا لم تدهسني سيارة أبدا، لكن ليس سخفا أن أفكر في الاحتمال".
 
وحسب الطبيب البريطاني فالمشكلة ليست فقط في فقدان الجمهور ثقته بوسائل الإعلام، بل أيضا فقدان وسائل الإعلام بثقتها في قدرتها على تقديم المعلومات لأناس غير مسلحين كفاية للتفكير في هذه المسائل.
 
إن وسائل الإعلام لن تحقق مبيعات جيدة ومنظمة الصحة لن تستطيع تبرير موازنتها إذا لم تثر الهلع (كما كتب سيمون جيكينز في نفس الصحيفة) ملاحظا أن الخطر على البريطانيين ضعيف رغم حالة الهستيريا، ومسجلا كيف أن وزراء الحكومة التقوا نهاية الشهر الماضي في مخبأ خاص تحسبا للأسوأ، ولو وجد توني بلير لجعلهم يرتدون الألبسة الواقية من الأسلحة الجرثومية.
 
ويقول جينكينز إن إنفلونزا الخنازير تحور لفيروس (أتش1 أن1) الذي يحدث كثيرا، وليست وباء رغم إصرار وسائل الإعلام على التسمية، أو على الأقل لم تصبح كذلك، وبي بي سي تسميها مثلا "فيروسا محتملا رهيبا " لكن كل عدوى جرثومية هي ذات خطر رهيب محتمل.
 
لقد شُخّص ألفان في المكسيك على أنهم يعانون من إنفلونزا الخنازير، ومات 150 منهم، كتب جينكينز: لكن لا مؤشر باثولوجيا على علاقة الوفيات بالفيروس المتحور الجديد، فطالما مات الناس بسبب الإنفلونزا خاصة إن لم تعالج، وقد تحسن حال زوجين أصيبا في كانكون، وهو ما يحدث مع المصابين بنزلات البرد، لكن هذا لن يروق كثيرا لرؤساء التحرير.
 
إن كلمات مثل "يمكن، من المحتمل، قد، ربما" يجب أن تُتجنب لأنها تفتح الباب أمام المبالغة، يقول جينكينز "منظمة الصحة حريصة على البقاء في دائرة الضوء، وتحب الحديث عن جهزوية" العالم لوباء الإنفلونزا، على أساس أن الوباء لم يحدث لبعض الوقت، كما يبدو.
 
"
الهلع يمكّن أطباء متعطشين لأضواء الإعلام ومسؤولي قطاع الصحة وشركات الأدوية من تحقيق أرباح بتلاعبهم بمشاعر الخوف
"
سيمون جيكينز
هذا الجنون المستند إلى العلم تكرر مع سارس، وأكد الدكتور باتريك ديكسون حينها عن احتمال قدره 25% بأن يقتل الفيروس عشرات الملايين، وعنونت وسائل الإعلام، كما هو متوقع، طاعون "أخطر من الأيدز".. لكن لم يمت بريطاني واحد، وحدث الأمر ذاته مع إنفلونزا الطيور عام 2006، عندما توقع عالم اسمه جون أكسفورد أن تكون أول وباء بالقرن الـ21، وقال بيان للصحة العالمية "إن واحدا من أربعة بريطانيين قد يموت".
 
تلاعب بالخوف
وهكذا تغلبت الرغبة في تحقيق موازنة أو ربح أكبر على واجب المسؤولين العامين في عدم إخافة الناس أو دفعهم إلى الإنفاق غير الضروري (حسب جينكينز) لأن هذا الهلع يمكّن أطباء متعطشين لأضواء الإعلام، ومسؤولي قطاع الصحة وشركات الأدوية من تحقيق أرباح بتلاعبهم بمشاعر الخوف.
 
لكن الهيئة الطبية البريطانية قمعت الحديث عن خطر مميت كعدوى MRSA و (سي ديفيسيل) اللذين استحكما في المستشفيات، لأنها ربما هي من يلام، ففي
2007 وحده، تسببت الأولى في قتل 1652 شخصا والثانية في موت 8324، وكالوفيات التي يسببها إدمان الكحول، بتنا ننظر إلى العدوى التي تنتقل في المستشفيات كحادث عرضي من حوادث الحياة، ومجازفة علينا ضبط لا وعينا على إيقاعها.
 
إنهم لا يتحدثون عن هذه العدوى (يختتم جينكينز) لأنها ليست فرصة للمسؤولين لينفقوا وليرعبوا الناس مع حب الظهور أمامهم: إن اللائمة فيها تقع على الحكومة، ومن يعانونها عليهم أن ينتحوا جانبا ليموتوا في صمت.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة