الثقافة محنة لذيذة.. مذكرات مثقف تونسي عابر للحدود   
الاثنين 9/8/1437 هـ - الموافق 16/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:04 (مكة المكرمة)، 15:04 (غرينتش)

كمال الرياحي-تونس

نادرة هي الكتب التي تصدر عن المثقفين العرب والتونسيين تحديدا لقراءة سيرهم وتأمل حيواتهم خارج منطق دفع تهمة أو وضع أسس أسطورية للذات الكاتبة بسبب مرورها بمحنة لعل أهمها السجون.

وقد ظلت كتابة الذات بكل مشتقاتها من يوميات خاصة ومذكرات وسير ذاتية كئيبة باستثناءات قليلة، لعل أحدها كتاب "الثقافة محنة لذيذة" لخميس الخياطي الصادر حديثا عن دار نقوش عربية.

يقف الخياطي متأملا في أحداث عاشها لها علاقة بالشأن الثقافي التونسي والعربي في أسلوب ساخر مرح لا يخفي بين طياته شجنا وحزنا على واقع الثقافة العربية في ظل أنظمة شمولية أرادت للعقل العربي أن يبقى غارقا في محنته.

المحنة اللذيذة
يقرن صاحب الكتاب المحنة باللذة، ويكشف حقائق مفزعة عما تعرض له من ملاحقة ورقابة من النظام السابق على مقتنياته من الكتب، لكنه لا يطالب بشيء ولا حتى باعتراف، فالتعويض عن المحنة موجود فيها أصلا، فهي محنة لذيذة.

خميس الخياطي يهدي كتابه للقادمين إلى العاصمة من الأرياف البعيدة (الجزيرة)

شكلت هذه اللذة أسلوب الكتاب نفسه فنحن أمام ما سماه الناقد الفرنسي رولان بارت بلذة النص. وهذه اللذة التي كتب بها الخياطي نصوصه يلتقطها القارئ من خلال فعل المشاركة في عيش هذه المحن والتمتع بأحوالها وحكاياتها.

إن قيمة هذا الكتاب تكمن في الإشارة غير المباشرة إلى ضعف وهشاشة الذاكرة العربية وآفة النسيان التي تهدد العقل العربي، فإعادة تجميع تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تحدث لأي مواطن تونسي منشغل بالثقافة تعكس طبيعة النظام وديكتاتوريته الناعمة.

فالرقابة على الكتب لم تقتصر على ما تعرضه المكتبات ومعارض الكتاب بل تعترض الرقابة الكتب الشخصية للكاتب التونسي المقيم بالخارج أو العائد من السفر مع أعوان الجمارك، ولم تكن الرقابة تتوجس من الشخصيات ذات التوجهات الإسلامية فقط بل من كل يهم بإدخال كتاب لتونس بما في ذلك  اليساريين والتقدميين والحداثيين.

قارئ عريق
تذكرنا فصول من كتاب الخياطي بكتاب الأميركي هنري ميللر "الكتب في حياتي" عندما يتحدث عن الكتب التي شكلت شخصيته وأصبح يختلق لها النظريات حتى في تصفيف مكتبته، فيقول "الحذر كل الحذر في تصفيف الكتب على الرفوف، فالخطر أن نضع على سبيل المثال "سفر الى منهى الليل" لسيلين بجانب "نجمة" لكاتب ياسين. هذا بعنصريته يدق والآخر لحريته يصيح واللغة الفرنسية بينهما لوح نجدة".

يحفر صاحب كتاب" الدنيا هبال" في بدايات تعلقه بالكتاب بالمبيت المدرسي في نهاية الخمسينيات في أقاصي الشمال الغربي ويروي كيف كانت الحكايات مهرب الطفل من البرد القارص.

وهكذا يتدفق الكتاب ناقلا لنا أخبار ذاكرة مثقف ومبدع عاش يأكل الكتب، متوقفا مرة عند أثر أبي حيان التوحيدي ومرة عند المنفلوطي وأخرى عند جبران وكان كل كتاب يأخذ الكاتب إلى منطقة بعيدة من ذاكرته ليقص علينا أخبارها وطرائفها في قدرة سردية هائلة.

يستعيد الكاتب محطات كثيرة من حياته قبل الرحلة الى فرنسا وقصة التحاقه بأعتى المنابر الإعلامية وسفره الى القاهرة مطاردا صلاح أبو سيف ولقائه بنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم

مغامرات الشقاوة
الكتاب مغامرات طفل شقي وشاب أشقى وإعلامي طموح يجوب العالم وناقد سينمائي صارم ومبدع رشيق الأسلوب اجترحه من لحم الشخصية التونسية التي تشكلت عبر تراكم هويات وتواريخ ومحن لتبقى لكل محنة لذتها مادامت محنا ثقافية.

يروي صاحب كتاب" نجوم بها تهتدون" سيرة الذات من خلال استحضار الخرافات التي كان يسمعها وهو طفل وسير الحيوان الأهلي ومحنة كلبه راكس والتفاصيل الحميمة  ورحلة الشاب الشمالي الى العاصمة وتعرفه على نوادي السينما قبل مغادرته الى فرنسا وقصة التحاقه بأعتى المنابر الاعلامية وسفره الى القاهرة مطاردا صلاح ابو سيف ولقائه بنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.

يروي الخياطي كل ذلك بسرد مشوق ممهور بعبارات تونسية محلية أحيانا تعطي للكتاب رونقا آخر مذكرا بأصالة أسلوب "جماعة تحت السور" الأدبية ورائدها علي الدوعاجي وصديقه محمد العريبي.

غير أن كل تلك الذكريات التي تبدو عفوية يحملها الكاتب إلى منطقة أكثر عمقا بالتحليل والتفكيك لرسم وفهم الشخصية التونسية وعلاقتها بتشكل الهوية الوطنية وبالسلطة سياسية كانت أم لغوية، منتصرا للمهمشين الذين نبت منهم، مؤكدا محرك كتابه الذي أهداه "الى كل من طل من وراء البلايك" أي كل من جاء من الأرياف البعيدة للعاصمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة