تونس .. الدستور يتعثر والعنف السياسي يطل   
الاثنين 1434/2/18 هـ - الموافق 31/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 2:31 (مكة المكرمة)، 23:31 (غرينتش)
تونس عرفت خلال هذه السنة أكبر موجة من الإضرابات والاعتصامات في تاريخها (رويترز-أرشيف)
 
حسن صغير
 
تميز عام 2012 في تونس باستمرار التجاذبات السياسية بين الترويكا الحاكمة والمعارضة، وكذلك التجاذبات الأيديولوجية بين الإسلاميين واليسار. ولم ينجح المجلس التأسيسي في الانتهاء من صياغة الدستور بعد سنة من انتخابه، بينما تصاعدت المخاوف من خطر العنف السياسي الذي بدأ شبحه يطل بين الحين والآخر. وعلى الصعيد الاجتماعي عرفت تونس خلال هذه السنة أكبر موجة من الإضرابات والاعتصامات في تاريخها، وهو ما أثر سلبا على الحياة اليومية للتونسيين.

فعلى الصعيد السياسي، عرف المجلس التأسيسي تجاذبات حادة بين الترويكا المكونة من حزب النهضة الإسلامي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات من جهة، وبين المعارضة المكونة أساسا من الحزب الجمهوري والمسار وبعض المستقلين من الليبراليين وغيرهم من جهة أخرى.

وقد أدى هذا التجاذب والاستقطاب الثنائي الحاد وغياب الوفاق إلى تعطل أعمال المجلس في أكثر من مناسبة، مما أدى إلى تأخر الانتهاء من صياغة الدستور. كما انعكست حالة الانقسام على النخب والشارع التونسي، خاصة في ظل غياب أي خارطة طريق واضحة للمواعيد السياسية القادمة، والتي من أبرزها الانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستخرج البلاد من الحالة المؤقتة إلى الحالة المستقرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

وبلغت الأزمة ذروتها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما ارتفعت الأصوات المنادية بضرورة الدخول في مرحلة توافقية جديدة لانتهاء شرعية المجلس التأسيسي، باعتبار أن مرسوم دعوة الناخبين الذي جرت وفقه الانتخابات نص على أن المجلس يتولى صياغة دستور جديد للبلاد خلال سنة من تاريخ انتخابه، لكن الطرف المقابل يرى أن المجلس التأسيسي هو سيد نفسه باعتباره السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد، ولا يمكن لمرسوم صدر في مرحلة توافقية أن يحل مجلسا شرعيا منتخبا.

كما برزت أزمة جديدة في صلب الترويكا الحاكمة نفسها، عندما دعا الرئيس المنصف المرزوقي إلى حكومة كفاءات تتولى إدارة شؤون البلاد حتى إجراء الانتخابات القادمة بعيدا عن المحاصصة الحزبية. وردت حركة النهضة -أبرز أحزاب الترويكا- بأن إعادة النظر في التشكيلة الحاكمة أمر ممكن وهو لا يستثني حتى منصب رئيس الجمهورية نفسه، وهو ما اعتبره المراقبون مؤشرا على رفض الحركة لتصريحات المرزوقي الذي وصل إلى منصب الرئيس بتزكية النهضة في إطار محاصصة حزبية.

المظاهرات في تونس اختلفت طبيعتها وأهدافها (الفرنسية-أرشيف)

شبح العنف
ونتيجة لحالة الاستقطاب الثنائي والتوتر السياسي السائدة، بدأ التونسيون يتخوفون من شبح العنف السياسي الذي ما فتئ يطل بين الحين والآخر، وهو ما أدى إلى تزايد المخاوف من انزلاق البلاد نحو دوامة لا تحمد عقباها، خاصة أن أعمال العنف كانت بدورها مثار جدل وانقسام بين السلطة المعارضة، حيث بدا -بحسب المراقبين- أن كل طرف يحتج على العنف الذي يستهدفه ويغض النظر عن العنف الممارس ضد الطرف المقابل.

ومما زاد من حدة المخاوف أن العنف السياسي أدى في بعض الحالات إلى سقوط قتلى وهو أمر غير معهود في تونس، حيث انتهت مظاهرة نظمتها رابطات حماية الثورة بتطاوين للمطالبة بالمحاسبة؛ إلى سقوط قتيل ينتمي إلى حزب نداء تونس الذي يضم عناصر من حزب التجمع المنحل، وقال المتظاهرون إن القتيل ألقى قنابل مولوتوف على المتظاهرين كانت مخبأة بمقر اتحاد الفلاحين الذي يتولى رئاسته.

وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني، اندلعت احتجاجات في ولاية سليانة في الشمال الغربي مطالبة بعزل الوالي المنتمي لحركة النهضة، وقعت خلالها مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين أدت إلى إصابة عدد من المتظاهرين على مستوى الأعين خاصة. وقد اتهمت الحكومة أحزابا يسارية واتحاد الشغل بالوقوف وراء الأحداث وتأجيج الوضع، لكن هذه الأطراف أكدت أن ما وقع هو مجرد تحركات شعبية مطالبة بالتنمية.

وفي شهر ديسمبر/كانون الأول هاجم متظاهرون محسوبون على رابطات حماية الثورة مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، ووقع تبادل للعنف بينهم وبين النقابيين، انتهى بإعلان اتحاد الشغل الإضراب العام الذي تراجع عنه فيما بعد إثر مفاوضات مع الحكومة. وقد أثارت هذه الأحداث دعوات من اتحاد الشغل والمعارضة إلى ضرورة حل رابطات حماية الثورة.

وفي ذكرى الثورة تعرض موكب رئيس الجمهورية ورئيس المجلس التأسيسي في سيدي بوزيد إلى رشق بالحجارة مما أدى إلى قطع الاحتفال. وبعد أيام قليلة اقتحم متظاهرون محتجون أحد النزل بجزيرة جربة وقطعوا اجتماعا كان يعقده حزب نداء تونس الذي يتزعمه الباجي قايد السبسي والذي تتهمه بعض الأطراف بالتورط في تعذيب اليوسفيين -أتباع صالح بن يوسف المنحدر من جربة- لما كان السبسي وزيرا للداخلية في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

من أبرز نتائج حالة "اللاسلم" الاجتماعية: غلق بعض المؤسسات الاقتصادية، وهروب بعض رؤوس الأموال إلى مناطق أكثر أمنا

إضرابات وغلاء
وعلى الصعيد الاجتماعي، عرف عام 2012 في تونس أكبر عدد من الإضرابات والاعتصامات والحركات الاحتجاجية في تاريخها، وتم بعضها تحت رعاية الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر منظمة نقابية، فيما جاء بعضها عشوائيا وغير منظم. وقد أدت هذه الاحتجاجات إلى تراجع الإنتاج في بعض القطاعات وهو ما أثر سلبا على الحياة اليومية للتونسيين.

ومن أبرز نتائج حالة "اللاسلم" الاجتماعية: غلق بعض المؤسسات الاقتصادية، وهروب بعض رؤوس الأموال إلى مناطق أكثر أمنا، وهو ما أدى بدوره إلى غلاء في الأسعار بات التونسيون يحسون وقعه، إضافة إلى فقدان بعض المواد الأساسية من السوق مثل مادة الحليب، مما اضطر الدولة إلى استيراد كميات منه من سلوفينيا.

وقد ألقت الصعوبات الاقتصادية بظلالها على الساحة السياسية وزادت من حدة التجاذبات وحالة الاستقطاب بين الحكومة والمعارضة، حيث تتهم الترويكا الحاكمة اتحاد الشغل -الذي تنتمي قيادته لليسار- بتشجيع التحركات الاجتماعية ليس لأغراض نقابية وإنما لعرقلة عمل الحكومة بهدف إسقاطها، بينما تصر المنظمة النقابية على أن ما يحدث هو مطالب شرعية ذات طابع اجتماعي صرف.

ويرى المراقبون أن عام 2013 سيكون حاسما لمستقبل الثورة التونسية، حيث من المنتظر أن تتم خلاله الانتخابات النيابية والرئاسية وفق الدستور الجديد، وهو ما يمهد للخروج بالبلاد إلى مرحلة الاستقرار السياسي بعد التجاذبات الحادة التي سادت المرحلة التوافقية والمرحلة الانتقالية اللتين تلتا سقوط نظام بن علي مطلع 2011.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة