ثقافة 2007: وجود الأمة والفوضى الخلاقة   
الثلاثاء 1428/12/22 هـ - الموافق 1/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 23:26 (مكة المكرمة)، 20:26 (غرينتش)
نظمت حركة كفاية المصرية مهرجانا شعريا احتجاجا على توريث الحكم (الفرنسية-أرشيف)

حسين جلعاد
 
واصلت المطابع في عام 2007 طبع الكتب كما في العام المنصرم، وواصل الكتاب والمثقفون إنتاجهم، لكن الثقافة بقيت المجال الأرحب لانعكاسات القضايا الكبرى، والميدان الذي ينسحب عليه صخب السياسة وحتى عنفها ودهاليزها.
 
ربما لم يشف العالم بعد من زلزال 11 سبتمبر الأميركي، ولم تنج الثقافة والحالة كذلك من الاهتزازات الارتدادية لذلك، خصوصا أن الطروحات الفكرية والسياسية لجملة منظري المحافظين الجدد ما زالت ترسم الخطوط العريضة لحركة السير العالمية.
 
الثقافة العربية لم تكن بعيدة عن ذلك، فقد ألقت أحداث فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال والسودان بظلالها على استجابات المثقفين وردات فعلهم كمحطات رمزية كبرى لبؤر ساخنة.
 
وتفاعلت تلك الاحداث بأشكال عدة في مسألة احتكاك الثقافة العربية مع محيطها العالمي والاسلامي أو حتى في تجاذباتها الداخلية، خصوصا ما تعلق بتداعيات "الفوضى الخلاقة" وهو المفهوم الأبرز في تبريرات الإدارة الأميركية لدورة الاضطراب التي جلبتها سياساتها على العالم.  
 
وقد لوحظ أن كثيرا من الأحداث الثقافية والمؤتمرات قد تأثرت بشكل أو بآخر بما تدفعنا السياسة نحوه، فكثرت المؤتمرات الثقافية التي ناقشت الصورة التي ينبغي أن تكون عليها ثقافة العرب في القرن الجديد، سواء لجهة التفاهم والحوار أو لجهة ما يسميه أصحابه المقاومة ورفض المشروع الأميركي بشقيه الثقافي والسياسي.
 
"
ربما لم يشف العالم بعد من زلزال 11 سبتمبر الأميركي، خصوصا أن الطروحات الفكرية للمحافظين الجدد ما زالت ترسم الخطوط العريضة لحركة السير العالمية
"
دفاع واستجابة
وبدت بعض الفعاليات في بعض أشكالها ردا دفاعيا أو استجابة لقيام الإدارة الأميركية بتخصيص أموال طائلة وبرامج عدة لتحسين صورتها في العالم، بعد كل ذلك النقع الذي أثارته طائراتها العمودية منخفضة التحليق، وشلالات الدماء التي جاءت بركاب جنود البحرية الى أرض الشرق العربي والإسلامي.
 
ولعل أبرز الأحداث في ذلك السياق هو المؤتمر الذي استضافته مدينة قرطبة الإسبانية بتنظيم من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بشأن التعصب والتمييز تجاه المسلمين. وناقش المؤتمرون هذه الظاهرة وسبل مكافحتها في أوروبا.

ورغم الوجه الأمني، فإن الثقافة هي المخاطب هنا وتحديدا لجهة رؤية العرب لجيران المتوسط، وكذلك لخلق ثقافة إسلامية تتعايش مع المجتمعات الأوروبية، خصوصا أن المسلمين في أوروبا باتوا يشكلون قوة في صناديق الاقتراع هناك، عدا عن أن مجاميع البشرية أوشكت أن تكون جزءا من هوية أوروبا التي تريد أن تحافظ على تقاليدها، وتحفظ أمنها بالتأكيد في ظل هاجسها الاساسي وهو الأمن.

وفي مقابل ثقافة الحوار تلك فقد شهدت الأقطار العربية مؤتمرات كثيرة تناظر الحدث الأوروربي، وإن تعددت أشكاله بين الرفض والقبول.

فقد عقدت في مدينة الإسكندرية المصرية ندوة الإسلام والغرب علاقات تاريخية متجددة" والتي نظمتها رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع المعهد السويدي للحوار بين الشرق والغرب. وناقشت الندوة عددا من الموضوعات منها تطور العلاقات بين الإسلام والغرب تاريخيا وسبل تنمية تلك العلاقة واقتراح نظرة مستقبلية لها.
 
التعليم الأوروبي
وغير بعيد عن ذلك، عقدت اللجنة الوطنية المصرية لليونسكو بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة ندوة بعنوان "صورة الثقافة العربية الإسلامية في الكتب المدرسية الأوروبية" شارك فيها عدد من الخبراء العرب والأجانب وأساتذة التاريخ والآداب والفن وخبراء الثقافة بالجامعات المصرية.

وناقشت الندوة التي تعد الثالثة حول هذا الموضوع وضع آليات لتصحيح صورة الثقافة والحضارة العربية في الكتب المدرسية التاريخية التي تحويها كتب التعليم الإلزامي والثانوي في أوروبا من معلومات غير صحيحة عن الثقافة والحضارة العربية، لما لتلك المعلومات من تأثير عميق وخطير في هذه السن المبكرة على تكوين الشخصية ورسم معالم ردود أفعالها وسلوكياتها المستقبلية، لا سيما أنها مستمدة من كتب ذات طابع رسمي.
 
أما الجمعية الفلسفية المصرية فقد اقتصرت فعاليات مؤتمرها التاسع عشر على عنوان عريض هو "حوار الثقافات والأديان". وناقش المؤتمر على مدى يومين عدة محاور منها‏، الحوار المتكافئ‏،‏ ورؤية مستقبلية والإرث التاريخي والصور النمطية والعرب في الإسلام والإسلام في الغرب‏، والمخاوف المتبادلة.

شهدت الجزائر عاصمة العرب الثقافية لعام 2007 مؤتمرات عدة عن الهوية والآخر (الفرنسية-أرشيف)
حوار بأثر رجعي
من جهة أخرى استضافت الجزائر ملتقى "الحضارة الإسلامية بالأندلس في القرن الثاني عشر الميلادي" بمشاركة باحثين عرب وآخرين أوروبيين.
 
وناقش الملتقى الوجود الإسلامي في إسبانيا في القرن الثاني عشر، والعطاء الذي قدمته الحضارة العربية الإسلامية لأوروبا عن طريق الجامعات والمؤسسات الفكرية والعلمية التي احتضنتها المدن الإسلامية في الجزيرة الأيبيرية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.
 
وبحسب المنظمين فقد عقد الملتقى ردا على نظرية "صدام الحضارات" للمؤرخ الأميركي صموئيل هانتجتون.

وفي مقابل كل ذلك انعكست أحداث العالم بشكل دفاعي أيضا، فإلى جانب المؤتمرات التي تطالب بلغة الحوار، فثمة مثقفون يرون من الإناء نصفا آخر هو ضرورة تحصين ما يسمى ثقافة الأمة ووجودها المهدد، فقد أكد خبراء وتربويون عرب ضمن مؤتمر عقد بالقاهرة تحت شعار "لغة الطفل العربي في عصر العولمة" أن عولمة الثقافة وسيادة اللغة الإنجليزية أكثر خطورة على العربية من الاستعمار، وأنها ستؤدي إلى ضعف التواصل باللغة القومية.
 
وقد عقد المؤتمر تزامنا مع الاحتفالات الدولية باليوم العالمي للغة الذي تطلقه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).
 
رفض للتطبيع
وأبعد من ذلك أن جانبا أساسيا من المثقفين العرب ما يزال محافظا على ثوابته القومية والإسلامية دون الاكتراث بتحولات السياسة ومعطيات السياسين، وفي هذا السياق شارك أكثر من مائة كاتب من 13 دولة عربية في ندوة "الكاتب العربي وحوار الثقافات".
 
وزرع المشاركون أكثر من مائة شجرة زيتون أمام جامعة سيناء بمدينة العريش المصرية، في حركة رمزية أرادوا عبرها التأكيد على مفهوم خاص في العدل والسلام. وأعلن المشاركون في بيان ختامي رفض التطبيع مع إسرائيل، مشددين على مقاومة المحتل في فلسطين ولبنان والعراق والصومال.
 
كل ذلك كان تداعيا لعلاقة الثقافة العربية بمحيطها أو بما يسمى الآخر سواء بشكل حواري أو بالرفض والمقاومة، لكن في الوقت ذاته لم تنج البنية العربية وحتى الإسلامية الداخلية من تلك التداعيات.
"
منعت تونس نحو ثمانية آلاف كتاب في معرض دولي للكتاب وبرر وزير الثقافة التونسي ذلك أمام البرلمان بقوله إن المعرض "درع ضد الظلامية والانكماش على النفس"
"
 
وقد تواصلت الارتدادات الاهتزازية تأثيرها بعلاقة الأطراف الداخلية سواء على مستوى علاقة السلطة بالمثقفين، أو على مستوى الطروحات الفكرية المتناقضة، أو حتى المتحاربة أحيانا داخل جسم الثقافة العربية ذاتها، وبرز ذلك في عدد من الأحداث التي قد تعد رموزا تحمل معاني كثيرة.
 
فعلى سبيل المثال منعت تونس نحو ثمانية آلاف كتاب في معرض تونس الدولي للكتاب. وقال وزير الثقافة التونسي محمد العزيز بن عاشور حينذاك أمام البرلمان إن المعرض "درع ضد الظلامية والانكماش على النفس". وأضاف "قمنا بالتصدي للكتب المتطرفة والظلامية حيث رفضنا دخول ثمانية آلاف عنوان في المعرض هذا العام وعادت من حيث أتت".

وقد اشتكى ناشرون أثناء المعرض السنوي الذي زاره أكثر من 150 ألف شخص من المنع الذي أقدمت عليه السلطات التونسية.
 
شعر سياسي
على صعيد آخر واصلت الثقافة تأثرها بالجدل السياسي، فقد نظمت الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) مهرجانها الشعري الاحتجاجي الأول، تحت شعار (لا للتجديد، لا للتوريث) بعد سلسلة من مظاهرات الاحتجاج السلمية.

ويشير شعار المهرجان إلى الرئيس المصري حسني مبارك الذي يحكم مصر منذ عام 1981، وما يثار من احتمال توريث الحكم لنجله جمال. وقالت الحركة إن مهرجان الشعر الاحتجاجي يعقد في الذكرى الثالثة لأول مظاهرة للحركة.
 
وشارك في الاحتفالية شعراء مصريون منهم أحمد فؤاد نجم وسيد حجاب وسمير عبد الباقي وحسن طلب، كما ألقى عدد من الشعراء الشباب قصائد تتضمن مقطوعات غنائية بمشاركة فرقة "حبايبنا".

كما رفع الكاتب المصري البارز عبد الوهاب المسيري دعوى قضائية ضد الرئيس المصري، يلزمه فيها بتطبيق مادة دستورية تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة. وذلك لما لاستخدام اللغات الأجنبية في واجهات الحياة المصرية من ارتباط بالتأثير على الثقافة والوجه الحضاري.
 
أما التجاذبات الثقافية العربية الداخلية الأكثر حدة، فهي التي تتبدى في صراع قد يهدد حرية الأنسان وحقوقه الأساسية، خصوصا أن بعض المختصمين يحتجون بالنصوص المقدسة، كما حدث في قضية الكاتبة والأكاديمية المصرية نوال السعدواي التي أثيرت ضجة جديدة حول أفكارها.
 
وأعلنت السعداوي حينذاك أنها على استعداد لـ"قطع" أعمالها حيث تزور الولايات المتحدة بصفتها أستاذة جامعية، والعودة إلى مصر في حال إجراء محاكمة علنية لها على الأفكار التي تتبناها وينظر إليها البعض على أنها مسيئة للإسلام. وذلك عقب اتهامات حول صدور كتاب اتهمه منتقدوه بالتعدي على المفاهيم الإسلامية.
 
أقام الكاتب عبد الوهاب المسيري دعوة
ضد الرئيس المصري (الجزيرة-أرشيف)
حد الردة
تلك الصورة الاحترابية تجد لها أيضا صدى في العالم الاسلامي فقد نقلت صحف هندية عن رئيس مجلس الاجتهاد في عموم الهند تقي رضا خان، قوله إن المجلس أصدر بيانا عرض فيه مكافأة قدرها خمسمئة ألف روبية هندية (11319 دولارا) مقابل قتل الكاتبة البنغالية المثيرة للجدل تسليمة نسرين.
 
وجاء في البيان أن "نسرين جلبت العار على المسلمين بكتاباتها، ويجب أن تقتل وتقطع رأسها، ومن يفعل ذلك سيحصل على جائزة من المجلس" مؤكدا أنه سيتم العفو عن نسرين إذا اعتذرت وأحرقت كتبها وغادرت البلاد.
 
ثقافة 2007 عكست هموم أمة لم تكد تدخل القرن الجديد حتى احتلت أجزاء جديدة من أرضها بشكل يعيد لي عنق التاريخ الاستعماري القديم، ليس بشكل ساخر هذه المرة، وإنما بأكثر الصور دموية وإيلاما، فقد تهددت الهويات الوطنية حتى بات الحديث عن أمة واحدة نوعا بائسا من "الضرب في الميت" بعد أن تجزأت بلاد إلى إثنيات وطوائف وعرقيات وضفة وضفة أخرى.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة