تظاهرة بتونس تحيي ذكرى الشيخ إمام   
الخميس 18/7/1433 هـ - الموافق 7/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:55 (مكة المكرمة)، 12:55 (غرينتش)
الشاعر التونسي آدم فتحي يلقي كلمة في تظاهرة للاحتفاء بذكرى مرور 17 سنة على وفاة الشيخ إمام (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
تشهد الساحة الثقافية التونسية منذ مدة حنينا إلى الفن الثوري واسترجاعا لتجارب فنية وشعرية عربية مثلت أيقونات النضال الثقافي في أيام الشدائد العربية وقد اتخذ هذا الحنين أشكالا مختلفة منها إنشاء النوادي والصالونات الثقافية هنا وهناك حاملة أسماء فناني تلك المرحلة.
 
ومن ضمن هذه النوادي "نادي أحباء الشيخ إمام" الذي اختص في إعادة عرض كل المنجز الفني للفنان والذي نظم حفلا موسيقيا بدار الثقافة -ابن خلدون- بالعاصمة التونسية احتفاء بالذكرى 17 لرحيله وكانت مناسبة أيضا لعرض عدد من صور الفقيد ومقالات وحوارات أجريت معه في الصحافة التونسية والعربية.
 
وحضر الحفل عدد كبير من محبي الشيخ إمام الذين رددوا خلف الفرقة أغنياته الشهيرة، بينها أغنية "يا ولدي" للشاعر التونسي آدم فتحي، والتي كانت طوال أيام الثورة التونسية الأغنية الأكثر رواجا في مواقع التواصل الاجتماعي وفيسبوك خاصة بكلماتها الراقية والمعبرة:

لا تبك فأحزان الصغر/ تمضي كالحلم مع الفجر
وقريبا تكبر يا ولدي/ وتريد الدمع فلا يجري
إن سهرت أمطار معنا/ أو غطى البرد بنا يسري
فالدفء يعمر أضلعنا/ ولهيب الأرض بنا يسري
وإذا بحت لك أغنية/ أو أنت قدم حافية
فشموس رفاقك آتية/ وستشرق من غضب الفقر

جانب من الجمهور الحاضر في تظاهرة إحياء ذكرى وفاة الشيخ إمام بتونس (الجزيرة)
شهادات
وقدم فتحي شهادة عن الفنان تحدث فيها عن إيمانه دائما بأنه سيأتي اليوم الذي تغني فيه الشعوب العربية أغانيه بذلك الصخب الرائع، وذكّر بمعاناة الشيخ إمام في تقديم تلك الروائع وكيف كان يلحن بجسده، حينما يعجز عن مسك العود فتظهر أحيانا كدمات زرقاء في فخذه فيستغرب رفاقه، فيفسر لهم أنها من أثار التلحين والبحث عن الإيقاع بكفيه.

وتحدث الشاعر التونسي عن كاريزما الشيخ إمام، وكيف تحوّل في وقت من الأوقات إلى أيقونة للثورة، وكيف كان المريدون يطلقون عليه لقب "مولانا" بالمعنى الأدبي والعميق للكلمة، ولكنه كان يتحرج من هذا، ويؤكد تواضعه كل حين، وحكى فتحي عن السنوات التي كانت أغاني الشيخ إمام تهرّب بين المثقفين التونسيين في غفلة من البوليس التونسي، كما تهرّب المناشير السياسية.

كما استرجع لحظة الذهول والنشوة الكبرى عند لقائه والجمهور التونسي بالشيخ إمام بتونس، وروى قصة قصيدة "يا ولدي"، التي غناها من كلماته. وعرض الكاتب الهاشمي بن فرج -الذي أشرف على تسجيلات إمام في القاهرة- على الحضور بعض الأسطوانات التي سجلها للشيح إمام وتحدث عن علاقته العميقة به وزياراته له في القاهرة.

وأكدت المطربة الملتزمة آمال الحمروني أنه رغم مرور سنوات على رحيل الشيخ إمام فإن هناك حاجة اليوم إلى ما خلد في الذاكرة الجمعية من أغان كانت تغنى في لحظات فارقة من تاريخنا وتاريخ الشعوب عموما و"إذا كانت هذه الانتفاضات العربية التي نعيشها اليوم ثورات حقيقية فلا أعتقد أننا اليوم في حاجة إلى أغاني الهيام والوجد، بل الأغنية أن تنقل أوجاعنا وأحلامنا والشيخ إمام كان مدرسة ومرجعا موسيقيا كبيرا".

غنى الشيخ إمام بشمولية وعمق جعلتا لنهجه الكثير من المريدين في كل مكان، وتحول إلى مدرسة فنية قائمة الذات فنشأت العديد من الفرق الموسيقية في العالم العربي متأثرة به

رمز فن ونضال
الشيخ إمام عيسى الذي يحتفى به في تونس، وغيرها من البلدان العربية يمثل علامة في تاريخ الأغنية السياسية العربية، ويعتبر مناضلا سياسيا أداته الأغنية وليس مجرد مطرب يقول الأغنية ذات المضمون السياسي.

ويمثل لقاء الشيخ إمام بأحمد فؤاد نجم سنة 1962 الانطلاقة الكبرى لتجربته في الأغنية السياسية الملتزمة حيث وجد عند نجم الكلمة التي يبحث عنها، وإن بدت التجارب الأولى عاطفية كأغنية: "أنا أتوب عن حبك أنا؟" أو "عشق الصبايا" لكن تجربتهما أخذت منعرجا آخر بعد هزيمة 1967.

فقد شعر كل من نجم وإمام بالإحباط من تكسر أحلامهما ككل العرب، وتسربت السخرية السوداء في أغانيه واصفة ذلك الإحساس بالخذلان فكانت أغاني مثل "الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا" و"يعيش أهل بلدي" و"وقعت م الجوع ومن الراحة، البقرة السمرا النطاحة" وغيرها من تلك الأغاني التي تفضح خيانات الساسة للشعوب الحالمة. وبين سجون مصر وزنزانات معقتلاتها لحن الشيخ إمام وغنى أغانيه الأكثر إيلاما للسلطة من كلمات نجم.

وكانت للسفرات الكثيرة بالدول العربية والأجنبية أثرا بالغا في نفوس العرب وربط من خلالها إمام علاقات عميقة مع مثقفي الوطن العربي وتجاوزت الأغنية السياسية عنده مفهومها المنبري وتماست مع الأغنية الشعبية، فكل ما يصل إلى قلوب المهمشين ويحكي آلامهم هو غناء سياسي وفن ملتزم.

ولم يقتصر إمام في أغنيته السياسية على الهم السياسي المصري أو العربي بل كان صائتا بما يجري في العالم فنقل لنا مقتل الزعيم "تشي غيفارا" في أغنيته " غيفارا مات آخر خبر في الراديوهات" أو حرب فيتنام في "سقطت سايغون" أو نقده للسياسة الدولية كالفرنسية في أغنية "فاليري جيسكار ديستان" دون أن نغفل ما قدمه للقضية الفلسطينية من "تل الزعتر وحبايبنا" إلى أغنية "فلسطينية".

غنى الشيخ إمام بشمولية وعمق جعلتا لنهجه الكثير من المريدين في كل مكان، وتحول إلى مدرسة فنية قائمة الذات فنشأت العديد من الفرق الموسيقية في العالم العربي متأثرة به وكانت تونس إحدى تلك الأراضي الخصبة لتنبت فيها فرق مثل "البحث لموسيقى" و"الحائم البيض" و"أولاد المناجم" وحتى آخرها فرقة "أجراس" وكلها فرق ملتزمة تستلهم الكثير من عالم الشيخ إمام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة