ناجي العلي.. القصة الأخرى لفلسطين   
الخميس 10/10/1432 هـ - الموافق 8/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:20 (مكة المكرمة)، 10:20 (غرينتش)

غلاف كتاب رسوم ناجي العلي المقاوِمة

أنطوان جوكي -باريس

يمنح "كتاب حنظلة –رسوم ناجي العلي المقاوِمة أو القصة الأخرى لفلسطين" الصادر بالفرنسية لرسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي (١٩٣٦-١٩٨٧) بعضا من الاهتمام الذي يستحقه في الغرب، كما يعطي القارئ الغربي فرصة للتوقف عند أبرز إنجازاته وبصيرته النادرة التي تتجلى في رسوم تشكل كمًّا من الشهادات الثاقبة المؤثّرة لا على الماضي العربي الحديث فحسب بل على ما يحصل اليوم في فلسطين والمنطقة العربية والعالم كله.

ويتضمن الكتاب الصادر عن دار "مطبوعات سكرييست" الفرنسية بطبعة أنيقة، إلى جانب خيار واسع من رسومه التي صدرت في صحف ومجلات عربية مختلفة، مقدمتين مهمتين، الأولى لرسام الكاريكاتير بلانتو في صحيفة "لوموند" الفرنسية، والثانية للصحفي الكبير في صحيفة "لوموند دبلوماتيك" آلان غريش.

وأمام كل فصل من فصول الكتاب الخمسة، نقرأ نصًّا تقديميا للشاعر والناقد الفلسطيني محمد الأسعد قارب فيه بمعرفة كبيرة شخصية ناجي العلي النموذجية وخصوصيات رسمه على ضوء الأحداث الأليمة التي عايشها وكان أفضل المنتفضين على مسبّبيها، مهما كانت هويتهم، كما يشهد على ذلك اغتياله في لندن عام 1987 من قبل جهةٍ لا تزال مجهولة إلى حد اليوم.

رسم لناجي العلي صدر في جريدة القبس الكويتية عام 1985
شاهد على العصر
وموضوع رسوم ناجي العلي الأول هو اللاجئ الفلسطيني الذي يظهر علينا من خلف الأسلاك الشائكة بجميع رموز معيشه: مفتاح منزله الذي ما زال يحتفظ به، زهرة الأمل التي تنبت على الجروح وعلى نوافذ السجون، مواطنه يسوع الناصري المصلوب أبدًا والحامل بدوره مفتاح بيت لحم، والفدائي الذي يعبر الأسلاك الشائكة للموت شهيدًا على أرض الوطن.

موضوعٌ على شكل قصةٍ ترويها ذاكرة شعب مشتت، ذاكرة الأم والأب والإخوة والأخوات الذين شاهدهم الطفل ناجي العلي في مخيمات اللاجئين يتأملون وطنهم من خلف الأسلاك الشائكة واستمع إلى قصصهم يومًا بعد يوم فتحوّلوا لاحقًا إلى أبطال رسومه.

وفي حال نظرنا إلى رسومه الأولى التي ظهرت في بداية الستينيات باعتبارها أعمالا تغذّي الأمل بالعودة وتخترق ظلام السجون وتعبّر عن شَدَه اللاجئ الفلسطيني التائق إلى أرضه، فإن الرسوم التي حققها انطلاقًا من عام ١٩٦٧ تشكّل حقبة جديدة وأكثر حيوية، مع تطور ظاهرة المقاومة الفلسطينية.

وما كان مجرّد تلميحٍ للعمل المسلح في الرسوم الأولى اتّخذ بعد العام المذكور شكلاً واضحًا مع لجوء الرسام إلى شخصية الفدائي، لكن بدون أن يتخلى عن طبيعته المسالمة وحبه للسلم والعدالة، وبدون أن يتجاهل أيضا قصص الخيانات والإهمال والطعن في الظهر التي سمعها وهو طفل.

وهذا ما جعل منه ناقدًا أخلاقيا وسياسيا فريدا في ثقافتنا العربية حمل بوصلة معصومة من الخطأ، تشير إبرتها دائما إلى فلسطين وتضع أي وجهةٍ أخرى موضع شك وسخرية لاذعة، وفضح بدون هوادة جميع أشكال الخداع والكذب، بما فيها تلك التي ظهرت بحلة فلسطينية واستعارت مفرداتها من لغة المقاومة.

رسم صدر في جريدة السفير اللبنانية عام 1980
رؤية عميقة

وأكثر من ذلك، يُفاجأ المتأمل في الرسوم التي أبدعها ناجي العلي خلال السبعينيات، وأحيانا قبل ذلك، برؤيته العميقة للأحداث التي كان يتوقف عندها وبحدسه الذي مكنه من التنبؤ بأشياء كثيرة نمرّ بها اليوم، مثل النتائج الوخيمة لإسكات سلاح الفدائيين، وعلى رأسها اتفاقية أوسلو، أو تحول القادة العسكريين إلى رجال أعمال يتاجرون بالقضية الفلسطينية وبمصير شعوبهم، أو حتى حلول ثورات "الربيع العربي" الأخيرة.

فبعد سلسلة من الرسوم صوّر فيها بعض الحكام العرب وهم يتقاسمون الثروات ويحرمون شعوبهم من الحد الأدنى من الحقوق والكرامة، نشر في  جريدة "السفير" اللبنانية عام ١٩٨٠ رسمًا نشاهد فيه ملصقًا على جدار نقرأ في أعلاه كلمة "مطلوب" بالإنجليزية وتتوسطه صورة ليست لمجرم قاتل بل للشعب في الشارع، تمامًا كما حصل ويحصل في منطقتنا منذ أشهر.

وفي عامَي ١٩٨٢ و١٩٨٥، أي قبل الانتفاضة الأولى (١٩٨٧)، حقق رسمين تظهر في الأول امرأةٌ تمزّق عنها عباءةً مزيّنة بنجمة داوود وتلف رأسها بوشاح كُتب عليه عبارة "الانتفاضة"، بينما نشاهد في الرسم الآخر امرأةً بثيابٍ كنعانية تلمّ حجارةً لأطفال منتفضين على العدو حولها.

ولأن ناجي العلي عاش في لبنان (مخيم عين الحلوة) حتى عام ١٩٦٣، ومن عام ١٩٧٤ حتى عام ١٩٨٢، رصد جزءًا مهمًّا من رسومه لفصول الحرب اللبنانية كشف فيها بعبقرية نادرة خدعة تصوير هذه الحرب على أنها صراعٍ بين المسيحيين والمسلمين في حين أنها -في نظره- حرب الأغنياء على الفقراء، بغض النظر عن الانتماء الطائفي للطرفين.

أحد رسوم ناجي العلي ويظهر فيه حنظلة
بعد أخلاقي
ولم يُهمل الرسّام حرب الخليج الأولى (بين العراق وإيران) التي رسم طبولها على شكل براميل بترول يضرب عليها لاعبان: الأميركي والإسرائيلي، ولا سائر الصراعات والمشاكل التي شهدتها منطقتنا، بل قاربها بشكلٍ ثابت ومن منطلق انتمائه العربي الصريح وغيرته الكبيرة على المصالح العربية المبدَّدة.

باختصار، يتميز فنّ ناجي العلي ببعدٍ أخلاقي كبير لعدم مراوغته أمام الجرائم التي شاهد اقترافها بحق فلسطين أو أي بلدٍ عربي آخر، إنه فنّ مسرحة يتعرى على خشبته الجلاد والضحية معًا.

لكن في حين يظهر الطاغية بعينين على شكل قيودٍ، والمستعمر بهيئة وحش مدجج بالأسلحة، والثري بجسدٍ سمين ووجهٍ أملس بلا تعابير، تظهر الضحية بملامح رقيقة وثياب بالية، عارية القدمين، فيتغنّى الرسام بشجاعتها حين ترتدي بذلة الفدائي ويعبّر عن تعاطفه معها حين تُهان أو تُعذب أو تُقتل.

في معرض تفسيره لشعبية رسوم ناجي العلي وفعاليتها الثابتة، يشير محمد الأسعد إلى عدم استمدادها قوتها من الفكرة التي تعبّر عنها فحسب، بل خصوصًا من قدرتها على تجسيد الفكرة وشحنها بحيوية ضرورية، بدون أن تفقد بساطتها وسهولة استيعابها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة