السلاح في حلب.. محظور فرضته الضرورة   
الثلاثاء 1434/9/16 هـ - الموافق 23/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 7:05 (مكة المكرمة)، 4:05 (غرينتش)
أبو عدي: نبيع السلاح لخدمة الثورة وليس من أجل الربح (الجزيرة نت)

مجدي مصطفى-حلب

لا يستطيع الزائر إلى حلب إغفال مشاهد انتشار السلاح في الأجزاء الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة الذين ينتشرون في الشوارع والأسواق والحواجز الأمنية حاملين بنادق الكلاشينكوف، أو مسلحين بالمسدسات.

السلاح وانتشاره كان خيارا فرضه النظام وقواته على الثوار -حسبما يقولون- لحماية المدنيين العزل من النساء والأطفال والشيوخ والشباب من هجمات الجيش النظامي.

الاقتراب أكثر من مشاهد السلاح وانتشاره يكشف المزيد من تفاصيل هذا الخيار الذي يقول الثوار إنه فرض عليهم، ويوضح حدود المسموح والممنوع في عملية البيع والشراء، وحجم القلق الذي ينتاب الخائفين على المستقبل من هذه الظاهرة، خصوصا بعد وصول جانب منه إلى مجموعات تنتحل صفة المقاتلين، مما جعل الهيئة الشرعية في المدينة تنتبه للأمر وتقوم بحملة ضد هذه  العناصر.

ملصق على واجهة محل أبو عدي لبيع السلاح (الجزيرة نت)

احذروا الغلول
في حي الباب السكني بحلب صادفنا محلا لبيع الأسلحة آثر صاحبه أن يضع ملصقا على زجاجه يحمل عبارات منها مقولة أبو بكر الصديق رضي الله عنه بشأن الغلول (ما سرق من الغنيمة) تقول "الغلول يقرب الفقر، ويدفع النصر".

دلفنا إلى محل أبو عدي، وهو تاجر أخشاب سابق، فاستقبلنا بترحيب وابتسامة تنم عن رضا الصابرين.

لم يكن الغرض من المحل -الذي افتتح قبل سبعة أشهر- كما يقول أبو عدي "الربح بقدر ما كان تقديم خدمة للثوار والمجاهدين"، خصوصا من الذخيرة التي يحصل عليها من وسطاء يشترونها من الشبيحة وجنود النظام، و"من ثم نوصلها للمجاهدين، ونبيعها للثوار بسعرها الذي اشتريناها، به وأحيانا ندفع من جيوبنا، لأن هذا واجبنا وأقل شيء نقدمه للثورة".

كما يتحدث أبو عدي عن حالات "تجهيز بعض المجاهدين" الراغبين في التوجه إلى جبهات القتال لكنهم لا يستطيعون شراء السلاح، وكيف يتحمل بعض المتبرعين قيمة السلاح "الذي لا تقدمه له إلا بعد تحر دقيق عنه، بسؤال الكتيبة التي سيقاتل في صفوفها عنه وعن خلفيته، حتى لا يقع السلاح في اليد الخطأ".

وينبه إلى أنه لا يبيع السلاح مطلقا لمدني أو أي شخص مجهول، مما جعل اسمه ومحله موضع ثقة من الهيئة الشرعية، ويشير إلى تفاوت سعر السلاح والذخيرة من حين إلى آخر.

محل أبو عدي ليس الوحيد من نوعه في حلب، فهناك ستة محلات أخرى تزاول نفس النشاط، كما يخبرنا أحد المرافقين من الثوار، الذين يرون أن تلك المحال العلنية لا تشكل خطرا على تسريب السلاح إلى الأيدي الخطأ، ولكن مصدر الخطر هم المهربون و"ضعاف الأنفس".

ضوابط كثيرة تحكم بيع السلاح في حلب كي لا يقع في "الأيدي الخطأ" (الجزيرة)

محل الإخلاص
اصطحبنا مرافقونا من الثوار إلى محل آخر بحي الفردوس اختار له صاحبه اسم "الإخلاص لبيع وتصليح الأسلحة"، وبسؤال صاحب المحل، ويدعى واصل أبو أحمد عن سبب التسمية ودلالاتها قال "إنها تعني الإخلاص لسوريا الثورة والإخلاص للمجاهدين والثوار الشرفاء".

أبو محمد فني صيانة سبق أن انخرط في صفوف الثوار ولم يتركها إلا بعد إصابة في ساقه لا تزال تؤثر على حركته، لكن ابنه أبى إلا أن يشغل موقع أبيه مقاتلا ضمن الثوار المرابطين في جبهة خان العسل.

جاءته فكرة فتح المحل بعد شهرين من إصابته، خصوصا أن لديه دراية كبيرة بصيانة وإصلاح الأسلحة، فقرر أن يقدم "خدمة للثوار"، ويقول إن 90% مما يبيعه هو من وإلى الثوار، فقد يكون هناك فصيل لديه فائض من نوع ما وعجز في آخر، والعكس أيضا، فيشتري كل منهم من الآخر ما ينقصه.

ويؤكد أبو أحمد أن عملية البيع لا تتم بشكل عشوائي وأن الربح ليس هدفها الأول "فيكفينا توفير الحد الأدنى من أمور المعيشة للأسرة، فالراغب في الشراء عليه أن يأتي بدليل موثق وموافق عليه من الهيئة الشرعية".

من بين المعروض في محل "الإخلاص" نوع من مسدسات الصوت التركية التي دفعت الحاجة إلى إعادة تأهيلها لتصبح سلاحا قتاليا، يعرفه السوريون بـ"الخلبي" أو "الإرهابي"، الذي يبلغ سعره قبل التأهيل نحو 3000 ليرة (الدولار يساوي 200 ليرة) ويتضاعف الثمن ثلاث مرات بعد إعادة تأهيله واستبدال ماسورته وخزانته بما يتناسب والطلقات الحية.

صناعة محلية
يخرج أبو أحمد عددا من القنابل اليدوية مكتوبا عليها صناعة سورية، ويوضح لنا أنها من صنع الثوار، إلى جانب طلقات "بي أكس أس"، مؤكدا أنها صنعت بدقة وكفاءة وفي زمن قياسي، وأن الثورة كشفت عن طاقات وقدرات كامنة في مجال تصنيع السلاح.

على الرصيف أمام محل "الإخلاص"، وضع  أبو محمد قذيفة دبابة فارغة تتوسط طلقتي صاروخ فارغتين حولهما إلى مزهريتين بعد أن قام بطلائها جميعا بألوان علم الثورة، أتأمل الصورة فيقرأ السؤال في عيني قبل أن أطرحه عليه ويجيب "الأسد يضربنا بصواريخه ونحن نزرعها"، أسأله عن مصير المحل ونشاطه إذا نجحت ثورة الشعب في تحقيق أهدافها فيجيب مبتسما "سأحوله إلى محل لبيع الزهور".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة