"المنسيون" في ألمانيا.. لجوء في لجوء   
الثلاثاء 9/12/1436 هـ - الموافق 22/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 11:56 (مكة المكرمة)، 8:56 (غرينتش)

سامر كدر-دورتموند

كان عبد الرحمن الأحمد اللاجئ السوري القادم من محافظة دير الزور إلى "جنة أوروبا الموعودة" يظن أنه "المنسي" الوحيد في ألمانيا، لكن صدمته ازدادت عندما أخبره محقق محكمة دوسلدورف في إقليم شمال الراين (غرب البلاد) أن من هم بمثل وضعه يصل عددهم إلى نحو 17 ألف لاجئ أغلبهم من السوريين، وأن المحاكم الألمانية تطلق عليهم تسمية "المنسيون".

المنسيون هم من تقدموا بطلبات لجوء منذ عدة أشهر، أي قبل أن تواجه ألمانيا هذا التدفق الكبير للاجئين، ولكن المحاكم لم تنظر في طلباتهم أو تحدد موعدا للنظر في قضاياهم لأسباب بيرقراطية. وقد ظهرت هذه المشكلة بشكل ملحوظ في محكمة دورتموند، المحكمة المركزية لإقليم شمال الراين، وامتدت إلى أقاليم متعددة في ألمانيا.

يقول رامي خليل القادم من محافظة الحسكة شمال شرق سوريا إنه وصل ألمانيا منذ سبعة أشهر، و"لكن للأسف كما يجري في بلادنا العربية البيرقراطية من إهمال لتسيير المعاملات، فإن العقبة الأولى التي واجهتنا في بلاد اللجوء كانت البيرقراطية بحجة الأخطاء الإدارية".

ولم يحظ خليل بموعد لتسجيل طلب اللجوء والحصول على الهوية المؤقتة التي تخوله التسجيل في دورات اللغة أو مكاتب العمل أو أي نشاط آخر.

كثير من المنسيين في ألمانيا تنتظرهم عائلاتهم التي تعيش في مناطق الخطر والصراع، لكن أوراقهم ذهبت أدراج المحاكم ووقعت فريسة البيرقراطية الإدارية وتناهبتها مزاجية موظفيها.

في التاسع من يونيو/حزيران الماضي اعتصم أكثر من 150 لاجئا سوريا أمام محكمة دورتموند، مطالبين بتسريع النظر في طلباتهم وتعجيل إجراءات إقامتهم ليتمكنوا من لم شمل عائلاتهم.

ألمانيا فتحت مؤخرا الحدود أمام عشرات آلاف اللاجئين (الأوروبية)

إصرار اللاجئين
استمر ذلك الاعتصام خمسين يوما، والمثير للدهشة أنه أمام إصرار اللاجئين على عدم فض اعتصامهم حتى تحقيق مطالبهم، اعتمدت السلطات الألمانية طريقة غريبة، إذ لبت مطالب من كانوا حاضرين يوم فض الاعتصام وكان عددهم مائة لاجئ فقط.

يقول علاء الزين -وهو شاب من محافظة الرقة المعقل الرئيسي لتنظيم الدولة الإسلامية- إنه من المشاركين في اعتصام دورتموند، لكنه للأسف لم يتمكن من الحضور يوم فض الاعتصام، فكان مصير طلبه أنه بقي في أدراج "المنسيين".

الأعداد الهائلة للاجئين السوريين ستزيد الوضع سوءا، فمع تدفق أعداد جديدة خلال الأسابيع الماضية سيجعل مستقبل "المنسيين" في ألمانيا معقدا، فالمبدأ المعتمد في تلقي طلبات اللجوء والنظر فيها في المحاكم الألمانية هو "آخر من يصل أول من يخرج"، أي أن من يصل الآن ينظر في طلبه فورا.

وتتذرع السلطات الألمانية بعدم وجود عدد كاف من الموظفين، لذلك فإن من تأخر طلبه في البداية سيدفع ثمن البيرقراطية غاليا، أما بعض من وصلوا مؤخرا فقط إلى ألمانيا فقد أقامت السلطات محاكم سريعة لكثير منهم من أجل تسريع حصولهم على الإقامات في ألمانيا.

يقول وائل الأسمر القادم من محافظة ريف دمشق تاركا خلفه ثلاثة أطفال وأمهم، "أنا مصاب بالتوتر والخوف على عائلتي، ومنذ شهور لم أعرف طعم النوم من كثرة الأرق.. كيف لك أن تعرف طعم الراحة وعائلتك تحت التهديد اليومي، وفوق كل ذلك أنت من المنسيين في ألمانيا؟ هذا الوضع لا يطاق".

ووعدت السلطات الألمانية بزيادة عدد الموظفين وعدد المحاكم لسرعة البت في طلبات اللاجئين، لكن مبدأ "آخر من يصل أول من يخرج" يهدد مصير "المنسيين" بنسيان أكبر، فمن تصبه لعنة النسيان في ألمانيا يعني أن عليه أن يمتهن الانتظار المرّ مثل السيدة فاطمة العبد الله التي تحاول منذ سبتمبر/أيلول 2014 أن تحصل على موعد محكمة، لكن محاولاتها كلها ذهبت أدراج الرياح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة