العلمانية أفادت المسلمين بأوكرانيا   
الأحد 18/6/1434 هـ - الموافق 28/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 19:01 (مكة المكرمة)، 16:01 (غرينتش)
الشيخ عماد: 70% من مسلمي القرم فقراء، بينهم 30% لا يتوفرون على مساكن تأويهم (الجزيرة)

حاوره بالدوحة المختار العبلاوي

قال رئيس اللجنة الشرعية في أوكرانيا الشيخ عماد مصطفى أبو الرُّب إن تبني الأخيرة للنظام العلماني جعل أجهزة الدولة فيها تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان، وهو ما سمح لمسلمي البلد بممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية.

وأضاف أبو الرب في حوار مع الجزيرة نت أن نسبة مهمة من مسلمي أوكرانيا البالغ عددهم مليونين يحتاجون إلى المساعدة والدعم، وذكر أن 70% من مسلمي القرم فقراء، بينهم 30% لا يتوفرون على مساكن تأويهم.

وبعد مشاركته في مؤتمر الدوحة لحوار الأديان الذي أنهى أشغاله نهاية الأسبوع الماضي، أشاد أبو الرب -وهو عضو مجلس أمناء التجمع الأوروبي للأئمة والمرشدين- على أهمية توصية مؤتمر الدوحة إدخال مادة حوار الأديان في المناهج التعليمية، ووصفها بالفكرة الرائدة التي "ستقي أبناءنا من الحقد أو الكراهية أو الضغينة تجاه الآخر"، مشددا على ضرورة تدريس الحوار لطلاب المدارس بطريقة "لا تتعارض والقيم التي نؤمن بها نحن المسلمين".

وأضاف أن الإنسان عدو ما لا يعرف "ونحن نجهل الكثير من الشعوب وثقافتها، وهم أيضا يجهلون عنا الكثير"، داعيا القيادات الدينية والأكاديمية إلى نقل ثقافة الحوار إلى الناس وتشجعيهم عليها.

وفيما يلي نص الحوار:
 شاركتم خلال الأسبوع الماضي في مؤتمر حوار الأديان بالدوحة في دورته العاشرة تحت شعار "التجارب الناجحة في حوار الأديان"، أين تتجلى أهمية موضوع الحوار بين الأديان؟

- الإنسان عدو ما يجهله، ليس لدينا إمكانية التعرف على الآخر، لذلك نجهل الكثير من الشعوب وثقافتها، وبالتالي هم أيضا يجهلون عنا الكثير ويتبنون أفكارا خاطئة عنا.. الحوار يعرّف بالآخر، والقيادات الدينية والأكاديمية عبر حوارها تنقل هذه الثقافة إلى جمهورها.. الحوار الأساسي هو المعايشة والتعامل الحسن مع الآخر مسيحيا كان أو غيره.

لدينا في التاريخ الإسلامي الكثير من الوقائع التي تخبرنا أننا نحن المسلمين كنا دوما سباقين إلى التحاور مع الآخر والتعامل معه بالحسنى، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه سيّر حملة من المساعدات إلى نصارى نجران عندما أصابتهم الفاقة، وأبو بكر الصديق رفع الجزية عن يهودي عجوز لم يقو عن دفعها فأصبح يستجدي الناس.. الحوار في الأساس هو المعايشة، والنقاش يرسخ المفاهيم.. ما يقع أحيانا أنه حينما تصدر إساءة من أحد المعتنقين لدين آخر، يقوم الإعلام بتكبيرها وتضخيمها ويجعلها صراعا بين معتنقي الديانتين، وتتطور الأمور في كثير من الأحداث إلى أمور مأساوية.

أصل الحياة قائم على الحوار، والله سبحانه وتعالى في القران الكريم جعل الحوار ركيزة أساسية.. الله سبحانه حاور الملائكة وحاور حتى الشيطان، وبالتالي الحوار مسألة ربانية.. الله خلق الخلق وجعل الحوار أساسا لبناء العلاقات.

البعض قد يتساءل: ما الغاية من تنظيم هذه المؤتمرات؟ هل هو لقاء بعضنا بالبعض الآخر ونقل ذلك على شاشات التلفزة؟ في الحقيقة بإلقاء نظرة على مضامين هذه المؤتمرات، نجدها تواكب التحديات المطروحة.

مؤتمر الدوحة الذي تميز بعرض نماذج ناجحة في الحوار بين الأديان، تميز أيضا بالمحاور التي ساهم فيها المشاركون كل من اختصاصه، حيث كان النقاش في مجموعات صغيرة نقلت تجارب بعضنا البعض.
 في البيان الختامي للمؤتمر توصية دعت القائمين على قطاع التعليم إلى إدخال حوار الأديان في المناهج التعليمية، كيف تنظرون إلى أهمية هذه الخطوة؟

- تدريس حوار الأديان في المناهج فكرة رائدة، وستقي أبناءنا من أن يكون لديهم حقد أو كراهية أو ضغينة تجاه الآخر، لكن العامل الأساسي لنجاح هذه الفكرة هو أن تُدرس بطريقة لا تتعارض والقيم التي نؤمن بها نحن المسلمين.

أعتقد بأن البعض يتخوف من مسألة تدريس حوار الأديان، ومن لم يفهم الموضوع بشكل جيد يعتقد بأن الهدف من الحوار هو الاقتناع بدين الآخر، أو أن نترك قيمة من القيم أو مبدأ من المبادئ التي نؤمن بها وهي في صلب معتقداتنا، وهذا الأمر غير صحيح.

نحن في أوكرانيا نمارس هذا الحوار بيننا وبين الآخرين، فقد زارنا طلاب المدرسة الأميركية خلال حصة مقررة في برنامجهم الدراسي بعنوان "حوار الأديان"، وقبل اتخاذهم قرار المجيء اتصلوا بنا مرات ومرات وكانوا مترددين في القدوم، وبالفعل حضروا إلى المسجد وأجبنا الطلاب عن الاستفسارات التي طرحوها عن الإسلام والمسلمين.. الزيارة كانت مفيدة للطرفين حيث صححنا بعض المفاهيم وقدمنا لهم الإسلام الصحيح، وكان من ثمرات الزيارة أن اتفقنا معهم على أن تكون زيارة الطلاب الأجانب سنوية إلى المركز.. وقد شجع هذا الأمر المدرسة البريطانية على القدوم هي أيضا إلى المركز الإسلامي، وبالفعل تعرفوا على أنشطة المركز وأجبناهم عن استفساراتهم، وقبل ذلك زاروا الكنيسة المسيحية والمعبد اليهودي.

تدريس حوار الأديان لأبنائنا المسلمين أمر هام لفهم الآخر والتعرف عليه، لكن يجب أن يكون وفق المنهج الإسلامي، وأن لا يتعارض مع أصول الدين وأن لا يختلف معها.
 ما العوائق التي تحول دون أن يحقق الحوار بين الأديان أهدافه؟

- أولا عدم الاقتناع دينيا أو فكريا بالحوار، فيجب أن ينتج الحوار عن قناعة بأهمية الحوار. ثانيا، الجهل بمعرفة الآخر وبمضمون الحوار والتعامل معه، فالحوار آداب من بينها الإنصات للآخر وتقبل رأيه سواء وافقناه أم لا. ثالثا، هناك بعض الجهات التي لا يروق لها أن يسود الحوار في مجتمع ما، وأن تعيش مختلف مكوناته في ود وأمان.
 من أهم العقبات التي تقف عائقا في تقدم مسار الحوار بين الديانات، الصراع في الشرق الأوسط حيث إن حقوق البعض يهضمها البعض الآخر، كيف عالج مؤتمر حوار الأديان بالدوحة هذه القضية؟

- أغلب الذين شاركوا في حوار الأديان سواء هذه السنة أو السنة الماضية، أجمعوا على أنه ليس يتحقق حوار الأديان ما لم تحل قضية فلسطين بشكل عادل.. الأطروحات النمطية لحل الصراع لم تحقق شيئا ولم تعد الحقوق إلى أصحابها.. إسرائيل هتكت الأعراض ودمرت البيوت واستعملت أسلحة فتاكة ضد أطفال عزل، ومشاهد القتل والدمار التي ترتكبها إسرائيل بالإضافة إلى الاعتقال والحصار، ومصادرة الأراضي، تصعب من مهمة الحوار بين الأديان.

 لنأخذ النموذج الأوكراني، كيف يتعايش المسلمون في هذا البلد الأوروبي المسيحي؟

- يعيش في أوكرانيا نصف مليون مسلم أصلي في شبه جزيرة القرم، وهي جمهورية ذات حكم ذاتي، هؤلاء أبا عن جد مسلمون. وفي شرق أوكرانيا هناك تتار قازان ما بين 100 إلى 150 ألف مسلم، بالإضافة إلى مسلمين آخرين من التتار، والأفغان والعرب وغيرهم في المجموعة. في أوكرانيا 46 مليون نسمة، منهم مليونا مسلم، علما بأنه لا توجد دراسات رسمية، وبالتالي فالإسلام هو الديانة الثانية، وتاريخيا أوكرانيا مسيحية أرثوذكسية.

لعب الطلاب العرب دورا كبيرا في نشر الإسلام بأوكرانيا وإعادة إحياء الإسلام فيها، فكثير من المسلمين الأوكرانيين ونتيجة للحقبة الشيوعية كانوا مسلمين فقط بالكلام، ولا يعرفون من الإسلام إلا القليل.

 كيف تتعامل الدولة الأوكرانية مع المسلمين وبقية معتنقي الديانات الأخرى؟

- سياسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 واستقلال أوكرانيا، تبنت الدولة النظام العلماني ووقفت على مسافة واحدة من جميع الأطراف، هذا الواقع مكن المسلمين وبقية معتنقي الديانات الأخرى من العيش في بيئة نقية يسودها الاحترام والتعاون.

من بين الأحداث التي عكرت صفاء هذا الجو فترة معينة من الزمن، أذكر أنه خلال الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، نشرت جريدة سيغودنيا (اليوم) -وهي إحدى كبرى الصحف في أوكرانيا- تلك الصور من منطلق إخبار الجمهور بالصور التي جعلت المسلمين يغضبون، فقامت عدة فعاليات إسلامية في أوكرانيا بالتحرك على اعتبار أن هذا النقل فيه إساءة للمسلمين، وكان من ثمرات ذلك تبني البرلمان الأوكراني قرارا بمنع المس وازدراء كافة الأديان.

الجالية المسلمة تتحرك بكل حرية وهي تفهم واقعها، وعلى مدار السنوات الماضية تجنبنا أن نثير أو نستثار.. لدينا علاقات تواصل مع قيادات دينية للطوائف والديانات الأخرى الذين تربطنا بهم علاقة طيبة، نحضر أنشطتهم وهم يحضرون في مناسباتنا.. الجالية المسلمة تنظم على مدار السنة فعاليات مختلفة من معارض ومسابقات ومؤتمرات ولقاءات دون قيود في ظل احترام القانون، كما نتوفر على مساجد ومراكز إسلامية.

مع ذلك أريد أن ألفت الانتباه إلى أن نسبة مهمة من مسلمي أوكرانيا فقراء وهم يحتاجون إلى المساعدة، 70% من مسلمي شبه جزيرة القرم فقراء، و30% منهم لا يتوفرون على مساكن تأويهم.. وهؤلاء يحتاجون إلى الدعم والمساعدة، خاصة المشاريع الصغيرة التي لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة لكنها ذات نفع كبيرة على الفقراء من مسلمي هذا البلد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة