التدخل الروسي بسوريا يخلط أوراق الحرب وحساباتها   
السبت 1437/6/4 هـ - الموافق 12/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:14 (مكة المكرمة)، 14:14 (غرينتش)


يأتي تاريخ 30 سبتمبر/أيلول 2015 لحظة مفصلية في عمر الأزمة السورية، عندما جاءت روسيا إلى ساحة المعركة التي مرت عليها أكثر أربع سنوات دامية مدفوعة بحسابات إعادة تموضع إستراتيجية للدفاع عن مصالح بدت لها مهددة، وتأكيد وجودها في منطقة تمثل بؤرة لصراع إقليمي واسع، لكنها غيرت كثيرا من الواقع الميداني لقوات النظام.

قبل النزول إلى الميدان، كانت روسيا من أكبر الداعمين سياسيا وعسكريا للنظام السوري، وحالت دون سقوطه سواء عبر الدعم السياسي في مجلس الأمن أو الإسناد العسكري الذي لم يكن كافيا بجبهات كثيرة مشتعلة بدأ النظام يفقد زمامها خاصة بالأشهر الأولى من عام  2015 رغم الدعم الإيراني على الأرض.

ومثلت خسارة النظام لمحافظة إدلب ومركزها (عدا كفريا والفوعة) القادح الأساسي للتدخل العسكري الروسي، وكان "حصان طروادة" ممثلا في تنظيم الدولة ومحاربة "الإرهاب" الذريعة الأساسية، وإن كانت موسكو لم تخف نزوعها لحماية مصالحها، كما أكد القادة الروس في عدة مناسبات.

قاذفتان إستراتيجيتان روسيتان من طراز تو 22 تلقيان قنابل على مواقع بسوريا (الأوروبية)

عملية إنقاذ
ومنذ 30 سبتمبر/ أيلول  2015 أصبحت قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية عنوانا لحقبة جديدة من الصراع في سوريا، وكانت منطلقا لضربات جوية روسية بدأت تنفذ على نطاق واسع على جبهات كثيرة (حماة وحلب وإدلب وحمص واللاذقية ودرعا) ولاحقا أصبحت قاعدة الشعيرات في ريف حمص الشرقي منطلقا جديدا لهذه الغارات.

وجاء استخدام المقاتلات والقاذفات والمروحيات الروسية في وقت كانت فيه قوات النظام قد خسرت الكثير من المواقع، وتراجعت بشكل واضح في الجبهات المختلفة أبرزها في إدلب (شمال شرق) التي سقطت بيد المعارضة المسلحة أواخر مارس /آذار 2015 لتصبح بذلك المحافظة الثانية الخارجية عن سيطرته بعد الرقة التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية.

وفشلت محاولات النظام في استرجاع أي من النقاط التي سيطر عليها "جيش الفتح" الذي وسع سيطرته مع فصائل أخرى إلى سهل الغاب بريف حماة، وباتت المعارضة المسلحة تهدد اللاذقية حيث سيطرت على عشرات القرى والمدن في ريفها، وباتت المدينة المهمة بالنسبة للنظام هدفا للصواريخ ومهددة بالسقوط.

وفي المثلث الذي يربط محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء ودمشق، كان الموقف العسكري للنظام أيضا حرجا رغم أن قواته استطاعت صد هجمات كبيرة لقوات المعارضة على مواقع حول مدينة درعا وخاصة معركة مطار الثعلة العسكري.

قوات النظام بمدينة دير العدس بعد السيطرة عليها بإسناد روسي (الأوروبية)

تغير المشهد
وضمن الإستراتيجية الروسية، ركزت الضربات الجوية على محافظة اللاذقية من أجل ضمان أمن المنطقة الساحلية الحيوية بالنسبة للنظام وروسيا -والتي تدخل ضمن ما يعرف بسوريا المفيدة- واستطاعت قوات للنظام والداعمين لها بعد أشهر من التدخل الروسي من استعادة كل محافظة اللاذقية تقريبا والاقتراب من الحدود التركية بالمنطقة.

وفي حلب، تمكنت قوات النظام السوري من استعادة السيطرة على عشرات القرى بالريف الجنوبي والشرقي والشمالي –مع قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية- وسيطرت على مطار كويرس (ريف حلب الشرقي) وفكت حصار تنظيم الدولة عن مدينتي نبل والزهراء شمال حلب. 

كما تمكنت قوات النظام والمليشيات المساندة لها من تطويق منطقة ريف حلب الشمالي وقطع خط الإمداد الرئيسية للمعارضة المسلحة بين مدينة حلب وبين الحدود التركية، واقتربت من حصار المعارضة بالمدينة قبل تنفيذ وقف العمليات القتالية يوم 27 فبراير/شباط 2016.

وفي الجبهة الجنوبية وبمساعدة الطيران الروسي، استعادت قوات النظام السيطرة على مدينة الشيخ مسكين في ريف درعا وعلى بلدة عتمان التي تقع على الطريق الدولي دمشق-درعا، وهو ما وفر خط إمداد أكثر مباشرة لها، كما استعادت توازنها نسبيا في محيط دمشق وسيطرت على مطار مرج السلطان وفصلت بين داريا ومعضمية الشام.

ولا تنكر المعارضة السورية أن الإسناد الروسي لقوات النظام مكنها من تحقيق اختراقات عسكرية مهمة في معظم الجبهات -قبل الهدنة التي بدأت يوم 27 فبراير/شباط- رغم عدم تمكنه من تحقيق نصر حاسم، وهذه المكاسب على الميدان عملت موسكو على تصريفها سياسيا على الأقل لإعادة ترتيب أوراق الحل السوري وفق تصوراتها.

ولم يمر النشاط العسكري الروسي وآلاف الغارات دون اتهامات من المعارضة والمجتمع الدولي لموسكو بارتكاب مجازر ضد المدنيين والتسبب بموجة نزوح جديدة، حيث شهدت درعا الشهر الماضي أكبر موجة نزوح تشمل 16 بلدة ومدينة بالمحافظة، ووصل عدد النازحين إلى مئتي ألف وفق مصادر المعارضة، كما نزح الآلاف من القرى والبلدات بريف حلب الشمالي إلى الحدود التركية، وهو ما حصل في اللاذقية أيضا.

وهذا التدخل العسكري الروسي بما حققه من نتائج على الأرض اختلفت التصورات حول أهدافه الحقيقية، فموسكو وفق الخبراء والمراقبين تعلم جيدا صعوبة السيطرة على الوضع بشكل كامل وإعادة تثبيت حكم الأسد، لكنها تحاول عبره فرض رؤيتها للحل السياسي وتحييد أوراق الدول الإقليمية المؤثرة في الأزمة، وقد استطاعت خلط الكثير من الأوراق في ذلك مستغلة تراجع الفعالية الأميركية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة