بائعات اللحوح بصنعاء يكافحن لأجل لقمة العيش   
الخميس 1434/8/12 هـ - الموافق 20/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:44 (مكة المكرمة)، 13:44 (غرينتش)
نساء يفضلن بيع اللحوح لإعالة أسرهنّ على التسول (الجزيرة نت)

مأرب الورد - صنعاء

تحرص سعيدة، وهي أم لأربعة أولاد، على أن تكون عند الساعة العاشرة صباحا يوميا في باب اليمن أحد أشهر الأسواق في العاصمة صنعاء لبيع ما صنعته يدها من خبز اللحوح كمصدر دخل يقيها شبح الفقر وذل السؤال.

فوق أحد الأرصفة تتخذ سعيدة مكانا لها بجوار بائعات أخريات تبيع حوالي ثلاثين لحوحة تحت حرارة الشمس لمدة لا تقل عن أربع ساعات تتعرض فيها لتعب ومضايقات من الناس والبلدية وبالكاد تدخل أربعة آلاف ريال (ما يعادل عشرين دولارا).

تقول سعيدة  للجزيرة نت -رافضة تصويرها- إن وفاة زوجها أجبرتها على تحمل مسؤولية البيت لعدم وجود عائل آخر وصغر أعمار أولادها، ولم يكن أمامها من خيار سوى إعداد خبز اللحوح بمنزلها والذهاب لبيعه في أحد الأسواق.

ومع اقتراب رمضان المبارك, تبدو سعيدة أكثر تفاؤلا كون الشهر الفضيل موسم ربح يتضاعف فيه البيع نظرا لإقبال الناس على شراء اللحوح الذي يمثل وجبة رئيسية في مائدة الإفطار ولا غنى عنه لأي أسرة "بسبب طمعه اللذيذ وسهولة هضمه".

اللحوح وجبة رئيسية في مائدة إفطار رمضان (الجزيرة نت)

أسواق مختلفة
وتنتشر بائعات اللحوح في عدد من أسواق صنعاء مثل القاع والسنينة وباب اليمن, حيث يجد الزائر المرأة الكبيرة الأرملة والمتزوجة أو الصغيرة طالبة المدرسة وجميعهن دفعتهن الحاجة لستر الحال والخشية من التسول بالشوارع والجولات.

واللحوح نوع مميز من الخبز يشبه الرقاق في خفة وزنه ورقته، ويصنع من الحبوب كالذرة والقمح والدقيق الأبيض، وتضاف له بعض النكهات، ويتم عجنه باليد ويترك ساعة أو أكثر حسب حرارة الجو ليتخمر ثم يوضع على (طنجرة) حتى يسخن ويصبح جاهزا للأكل.

يتميز هذا النوع من الخبز بأنه خفيف على المعدة وقابل للتخزين لفترة، وهو ما جعل بعض النساء في الريف يبعثن به لأولادهن الذين يدرسون في المدن, ومن أشهر المدن التي عرفت بصناعته المحويت وصنعاء وتعز.

وتمثل هذه المهنة وسيلة مثلى لمعالجة أوضاع النساء الفقيرات والعاطلات وخاصة المطلقات وحتى المتسولات بالشوارع, غير أن هذا الأمر مرهون بدعم جهات حكومية أو منظمات معنية بالمرأة، وذلك من خلال توفير مستلزمات العمل المخصصة لصناعة اللحوح والحبوب، وتشجيع نساء الريف على تربية الماشية للحصول على الحقين أحد مكونات صناعة اللحوح.

وتلجأ بعض الأسر للدفع ببناتهن الصغيرات لبيع اللحوح بالسوق بدلا من الكبار بسبب الخوف من نظرة المجتمع التي ترى أن مكان المرأة البيت وليس العمل في الفضاء العام، وإن كانت هذه الثقافة بدأت في الانحسار مع مرور الوقت.

فاطمة طالبة بالصف السادس الابتدائي تعمل مسوقة لبيع منتجات والدتها بأحد الأسواق -مقابل توفير مصاريف الغذاء- لمدة خمس ساعات بعد أن غيرت دوام دراستها للمساء حتى لا تخسر تعليمها التي تعول عليه مستقبلا للحصول على وظيفة أفضل من عملها الحالي.

العودي: بائعات اللحوح يستحققن التقدير لكفاحهنّ من أجل لقمة العيش (الجزيرة نت)

صعوبة التأقلم
وتقول فاطمة عن بداية عملها " كنت خائفة أول مرة لكن أمي أجبرتني.. وجدت صعوبة في كيفية التعامل مع الناس والبقاء طوال ساعات أقضيها في بيع اللحلوح" لكن "مع مرور الأيام أصبحت متعودة على هذا الوضع ولم أعد أشعر بالحرج كالبداية".

ويرى خبراء مختصون أن بائعات اللحوح يستحققن التقدير والدعم لأنهن اعتمدن على أنفسهن في كسب الرزق بدلا من التسول، وقدمن صورة إيجابية عن أن المرأة بإمكانها أن تعمل في أوساط الناس وهي معتزة بنفسها دون إفراط أو تفريط.

وقال أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء د. حمود العودي إن بائعات اللحوح اللواتي اخترن هذه المهنة بما فيها من مشقة وتعب "نموذج للمرأة المكافحة لأجل العيش بكرامة وعزة بعيدا عن تسول صدقات الآخرين".

وأوضح في حديث للجزيرة نت أن هذه المهنة ليست جديدة أو دخيلة على المجتمع، وهي حق إنساني لكل من يريد العيش بكرامة, مشيرا إلى أن الإسلام حث على العمل وامتدح صاحبه أيا كان رجلا أو امرأة.

وأبدى العودي استغرابه لما سماها النظرة المتخلفة الناتجة عن الثقافة الموروثة التي تنظر بازدراء لهؤلاء النسوة اللواتي يعملن في هذه المهنة بدلا من تكريمهنّ على كفالة أنفسهنّ وحفظ صورتهنّ.

وقال أستاذ علم الاجتماع إن المجتمع ينظر أحيانا لقاطع الطريق على أنه بطل صنع معجزة، مع أن عمله مجرم، بينما يرى من يعمل في بيع اللحوح كما لو أنه ارتكب مخالفة تستحق العقاب والعزل الاجتماعي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة