بكين تجتاح أفريقيا بدبلوماسية اللسان   
الأربعاء 1428/12/2 هـ - الموافق 12/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 0:58 (مكة المكرمة)، 21:58 (غرينتش)

وحدة من الجيش الصيني تعتمر القبعات الأممية تستعد للتوجه لإقليم دارفور (الفرنسية-أرشيف)

 

عزت شحرور-بكين


كانت القارة السمراء -ولا تزال- بما تشكله من مخزون هائل من الموارد الطبيعية والمواقع الإستراتيجية الهامة من أهم ساحات الصراعات والتنافس بين القوى الكبرى، وذلك ابتداء بقوى الاستعمار الأوروبي سابقا مرورا إلى الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، ووصولا إلى الوقت الحاضر مع بروز قوى ولاعبين جدد يتنافسون على مصادر الطاقة.

 

وفي هذا الإطار تأتي القمة الأفرو-أوروبية التي عقدت في لشبونة بعد عام كامل على القمة الصينية-الأفريقية التي استضافتها بكين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

 

فقمة لشبونة هي الثانية من نوعها بين القارتين في سبعة أعوام، لكنها لم تتمخض عن شيئ كثير على الرغم من الشعارات الكبيرة التي رفعتها القمة مثل "شراكة إستراتيجية" و"آفاق نحو مستقبل واعد".

 

وهنا تعود بؤر الاهتمام من جديد لتتركز حول النجاحات الهادئة التي تحرزها بكين في دول القارة، والتي أثارت زوبعة شديدة من الانتقادات والاتهامات عن تنامي الدور والنفوذ الصيني واعتباره "استعمارا اقتصاديا جديدا" أو "أعباء إضافية" على الاقتصادات الأفريقية الناشئة نتيجة القروض الكبيرة والميسرة التي تقدمها بكين لدول القارة، بما فيها تلك التي تُتهم أنظمتها بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان.

 

تنامي النفوذ

وباعتبارها قوة بارزة جديدة، تدرك الصين أن العالم سيحكم عليها من خلال علاقتها مع أفريقيا، ولذلك تسعى جاهدة لإنجاح هذه التجربة  القائمة -بحسب التعريف الصيني- على أساس الاحترام والمساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

 

فقد سارعت بكين للرد على الاتهامات الموجهة إليها بإلغاء ما يقارب من مليار ونصف المليار دولار من ديونها المستحقة على ثلاثين دولة أفريقية ونجحت في مضاعفة ميزانها التجاري خمس مرات في سبعة أعوام ليقفز من عشرة مليارات دولار عام 2000 إلى خمسين مليار دولار لهذا العام.


الرئيس الصيني مع نظيره السوداني عمر البشير في زيارته الأخيرة للخرطوم
(الفرنسية-أرشيف)
كما أعلنت تأسيس صندوق التنمية الصيني-الأفريقي بمليار دولار على أمل أن تصل به إلى خمسة مليارات، وزادت من نشر قواتها المنضوية تحت لواء قوات حفظ السلام الدولية في معظم بؤر التوتر في القارة بشكل ملحوظ.

 

التاريخ

وفي حين شكل التاريخ عبئا كبيرا على قمة لشبونة وعلى العلاقات الأوربية-الأفريقية، فإنه لم يكن كذلك بالنسبة للعلاقات الصينية-الأفريقية بل على العكس تماما.

 

فعلاقة الصين بالقارة السمراء ليست وليدة اللحظة، حيث جابت بواخر البحار الصيني المسلم "تشنغ خه" معظم السواحل الشرقية لأفريقيا منذ القرن الخامس عشر وأسست لعلاقات تجارية وثقافية حضارية بين الجانبين.

 

كما لم تكن الصين بعيدة عن دول القارة في صراعهم مع قوى الاستعمار من أجل الاستقلال والحرية، حيث شكلت داعما رئيسيا بالمال والعتاد لمعظم حركات التحرر الأفريقية، كما قدمت العديد من المساعدات كبناء المستشفيات والطرق ومشاريع البنية التحتية، وأوفدت الكثير من المهندسين والأطباء والخبراء، واستقبلت الكثير من الطلبة والمتدربين الأفارقة.

 

في المقابل، تعتمد الصين في ربع وارداتها النفطية على أفريقيا، والسودان بات يشكل أكبر قاعدة إنتاج صينية خارج أراضيها، مع الإشارة إلى أن أفريقيا تشكل ربع أصوات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وباستطاعتها عرقلة أي قرار دولي لا يروق للصين خاصة فيما يتعلق بتايوان.

 

وفي نفس الوقت تمتلك الصين حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي القادرعلى عرقلة أي قرار يفرض عقوبات ضد أي من دول القارة كما حدث مع السودان فيما يخص إقليم دارفور.

 

دبلوماسية اللسان

وتتلخص طبيعة الدبلوماسية التي تنتهجها الصين حاليا مع أفريقيا بما قاله الفيلسوف الصيني لاوتزي لأحد طلابه الذي جاءه طالبا النصيحة. عندها رد الحكيم العجوز مخاطبا تلميذه، هل ترى لساني؟ أجاب التلميذ، بالطبع أراه ياسيدي.

 

وعاد الحكيم ليسأل من جديد، وهل ترى أسناني؟ أجاب التلميذ، كلا لا أرى أسنانك فقد ذهبت بها السنون.

 

وهنا قال الفيلسوف الحكيم "تلك هي طبيعة الأشياء يابني وهنا يكمن أصل الحكمة فاللسان بقي لمرونته أما الأسنان فسقطت لصلابتها".

وهنا نرى "دبلوماسية اللسان" التي أدت على ما يبدو إلى تنامي الوجود والنفوذ الصيني في القارة السمراء بشكل ملحوظ في الأعوام السابقة بشكل بات يؤثر بل ويغيظ الكثير من القوى المعروفة بنفوذها التاريخي في القارة الغنية بمواردها الطبيعية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة