دارفور: السياسة تفوق الاعتبارات الإنسانية   
الاثنين 1425/8/19 هـ - الموافق 4/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 7:49 (مكة المكرمة)، 4:49 (غرينتش)

باول زار دارفور نهاية يونيو/حزيران الماضي ولم يستخدم وقتها تعبير إبادة جماعية (الفرنسية-أرشيف)

أحمد فاروق

جاء توقيت إفادة وزير الخارجية الأميركية أمام مجلس الشيوخ بشأن الأوضاع في دارفور ليظهر أن واشنطن تتحرك بشكل مدروس في مسلسل الضغط على الخرطوم لتحقيق المطالب الأميركية والدولية.

فإعلان باول أن ما يجري في دارفور إبادة جماعية جاء بعد يوم واحد فقط من توزيع الولايات المتحدة مشروع قرار جديد في مجلس الأمن يهدد الخرطوم بعقوبات دولية تمثل حظرا على النفط ويطالب بالمزيد من التنازلات مثل توسيع مهمة قوات الاتحاد الأفريقي وقبول لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة وعدم تحليق الطيران الحربي السوداني فوق دارفور.

ويرى مراقبون أن مجرد استخدام تعبير إبادة جماعية يمكن أن يؤثر في مناقشات مجلس الأمن حول مشروع القرار الأميركي الذي يهدد بتوقيع عقوبات خاصة على صناعة النفط السودانية ما لم يوقف ما يسمى الانتهاكات في دارفور.

كما جاء الإعلان في الوقت الذي تشهد فيه مفاوضات أبوجا بين الخرطوم والمتمردين شدا وجذبا بين الجانبين خاصة في ما يتعلق بقضايا الأمن ونزع السلاح في الإقليم واقتراحات الاتحاد الأفريقي.

باول فاجأ السودان بهذا التصريح الذي لم يدل به خلال زيارته للإقليم في يونيو/حزيران بل اكتفى وقتها بالتأكيد على أن المشكلة الأساسية في دارفور هي المشكلة الأمنية، مطالبا المجتمع الدولي بتوحيد كلمته في هذه القضية.

تقرير باول جاء معاكسا للاتجاه الإيجابي الذي أظهره تقرير مبعوث الأمم المتحدة يان يرونك أمام مجلس الأمن مطلع الشهر الجاري حيث أقر بتحسن الوضع الأمني وتحدث فيه بشكل إيجابي عن جهود الحكومة، أعطى ذلك انطباعا كما ترى الخرطوم بأن اتهامات باول جاءت لتمحو هذا الانطباع الإيجابي وتصب مزيدا من الزيت على النار بحسب وزير الشؤون الخارجية السودان نجيب الخير عبد الوهاب لتقدم الخرطوم تنازلات في مفاوضات أبوجا التي تتقدم وتتراجع كل مرة.

لهجة التشدد والضغوط والتلويح بالعقوبات تزامنت أيضا مع سعي إدارة بوش لتحقيق أي إنجاز يضاف إلى رصيدها الانتخابي بمغازلة جماعات الضغط المعادية للحكومة السودانية ولوبي السود -كما يرى المراقبون- وهو اللوبي الذي كان له دور كبير في دفع إدارة بوش للدخول بثقلها في مشكلة جنوبي السودان.

التقرير الأميركي تجاهل أيضا جهود الحكومة السودانية منذ توقيع اتفاق مع الأمين العام للأمم المتحدة في يونيو/حزيران الماضي لتسوية الوضع في دارفور بنشر قوات الشرطة في الإقليم وتوفير ممرات آمنة لوكالات الإغاثة مما أسفر عن عودة آلاف النازحين لقراهم التي نزحوا منها هربا من النزاع.

الغرب لم يقدم المساعدات الكافية لمعالجة الوضع الإنساني بدارفور (الفرنسية-أرشيف)
ولكن الخرطوم في المقابل لم تلتزم الصمت فقد بدأت حملة موسعة لإقناع الرأي العام الأفريقي والغربي بأن الضغوط الأميركية على الحكومة السودانية بسبب دارفور ستثير اضطرابات انفصالية جديدة في أماكن أخرى في البلاد وستعقد جهود السلام في دارفور ومن شأنها تقويض جهود السلام في الجنوب.

التصريحات السودانية تركز أيضا على مطالبة الأميركيين بتقديم أدلة على مزاعم الانتهاكات وتشير إلى مسؤولية المتمردين الدائمة عن انتهاك وقف إطلاق النار إضافة إلى عمليات مهاجمة قوافل الإغاثة واختطاف موظفي المنظمات الإنسانية وهو ما اعترف به باول نفسه في إفادته.

أسلوب الضغط تجاهل أيضا معضلة أساسية وهي أن الدول الكبرى لم تقدم بعد المساعدات الكافية للسودان لمواجهة الوضع الإنساني وهو طلب كررته الخرطوم مرارا.

فاليابان مثلا لم تقدم سوى ستة ملايين دولار في إطار مساعدات ثنائية خلال العام الحالي وقدمت فرنسا 9.6 ملايين دولار وإيطاليا 10.8 ملايين رغم أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقدر حجم المساعدات المطلوبة للاجئي دارفور بنحو 400 مليون دولار. وتقول الحكومة إن ما قدمه المانحون لا يفوق 20 مليون دولار.

ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة نزح نحو 1.2 مليون لاجئ من قراهم من دارفور ولجا أكثر من 200 ألف إلى تشاد منذ بدء النزاع في دارفور.

وأظهرت تقارير على أرض الواقع الأسابيع الماضية أن هؤلاء في حاجة ماسة لإنهاء معاناتهم باعتبارها مشكلة إنسانية بحتة دون فرض اعتبارات سياسية ثبت حتى الآن أنها تعرقل فرص التوصل لنهاية للأزمة.
_________________________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة